المسيحيةُ ، دِينٌ أم حياةٌ ؟

التديُّن ميلٌ فطري عند كلِ إنسان – مسيحيٌّ أو غيرُ مسيحي – يدفعهُ إلى الصلاةِ والصومِ والصدقةِ وممارسةِ شعائر الفرائض الدينية الأُخرى – رغمَ عدمَ إختبارهِ نعمةُ التجديد؟

ويصفُ الكتابَ المقدس حالةَ التديُّن بقولهِ “لهم صورةُ التقوى ولكنهم منكرونَ قوتها” (2 تي 5:3).

ولعلَ الكثيرَ يُفاجأ لإكتشافِ هذه الحقيقة ، خصوصاً من نشأوا وفُطِموا على فكرة أن المسيحيةَ دينٌّ مثلَ بقيةِ الأديان وطريقٌ من  الطرق العديدة التي تؤدي إلى الله ، وإستندوا على المثلِ القائل “كلُ الطرق تؤدي إلى روما!!”

لكن تعالوا بِنا لنرى ما هو رأيُ الكتابَ المقدس في هذا الموضوع إذ يُقدِّم لنا عيناتٌ من الناسِ تُوضِح الفرقَ بينَ التديُّن والتجديد (أي الحياةُ الجديدة).

كرنيليوس:

رجلٌ تقيٌّ خائفُ اللهِ مع جميعِ بيتهِ – يصنعُ حسناتٍ كثيرة للشعب ويُصلي للهِ في كلِ حينٍ!!

ما أجملَ هذه الصورة ، فمن كل وجه الرجل متديٌّن وتقي ، ما كنا لنُشك في كمالها  لولا أنَ الكتابَ يقول لنا أنَ ملاكَ اللهِ ظهرَ لهُ وأمرهُ قائلاً “أرسل إلى يافا رجالاً وإستدعِ سمعان الملقب بطرس ، وهو يكلمكَ كلاماً بهِ تخلُّص أنتَ وأهلُ بيتك” أعمال 13:11-14.

هل هذا معقولٌ ؟ أبعد كل هذه التقوى والتديُّن وأخونا كرنيليوس لم يخلُص يعد ، فماذا نقولُ نحنُ المقَصرون في كلِ أمورِ التقوى والبر والتديُّن!!

“بهِ تَخلُص أنتَ” إذاً فكرنيليوس كانَ في حاجةٍ إلى خلاص ، أو إلى تجديد ، رغمَ ما كانَ عليهِ من تقوى وخوفِ الله وصُنعَ الحسنات الكثيرة ، فما هذه في مجموعها إلى مُجرد تديُّن.

شاول المُتَعصب:

كانَ صادِقاً في تعبُدهُ لله ، غيوراً على دينِ آبائهِ ، مُدَقِقاً في حِفظهِ للناموس ، إذ قالَ عن نفسهِ أنهُ “بِلا لوم” (فيلبي 6:3). لكن من جهةٍ أُخرى كانَ مقاوِماً لعملِ اللهِ بجهلٍ إذ كانَ يجولُ في كلِ مكانٍ يحاولُ أن يتلفَ كنيسةُ المسيح. لكن رحمةُ اللهِ كانت أكبر من تعصُبِه وتديُّنهِ الأعمى إذ عاملهُ اللهُ بنعمتهِ فتجددت حياتهُ وتغيَّرَ من شاول المتعَصِب إلى بولس المبشر ، بولس عبدُ يسوعِ المسيح.

الشاب الغني:

شهدَ لهُ الوحي ، وعدَّدَ الفضائلُ الجميلة التي كانَ يتحلى بِها هذا الشاب ، فهو لا يزني ، لا يسرق ، لا يكذب .. إلى آخرِ الوصايا التي قالَ أنهُ قد حفظها منذُ حداثتهِ ، حتى إنهُ من فرطِ جمالِ صفاتهِ “نظرَ إليهِ يسوع وأحبَّهُ” (مرقس 21:10).

لكن للأسفِ الشديد ، كانَ مغلوباً من خطية أشارَ إليها الربُ يسوع بقولهِ “لا يقدرُ أحدٌ أن يخدِمَ سيدين” (متى 24:6). كانَ يحفظُ الوصية وفي نفسِ الوقت يحفظُ الخطية! كانَ يعبُدُ الله وفي نفسِ الوقت يعبُدُ المال. كانَ متديناً ، يُصارِعُ مغلوباً ولا يستطيعُ أن يحصلَ على السلام والشِبعِ الحقيقيين.

وقد سردَ لنا الكتابُ غيرَ هؤلاء كثيرينَ من المتديِّنينَ الذينَ كانوا عندَ أنفُسهم أبرارٌ وأتقياءٌ لكن كانَ يعوزهم التجديد الداخلي والتغيير القلبي.

فهناكَ خصي ملكة الحبشة الذي حدَّثنا عنهُ لوقا البشير في سفر الأعمال (إصحاح8) ، وهناكَ ليديا بائعةِ الأرجوان في مدينة فيلبي في أعمال 16 وغيرهم من المتديِّنينَ ظاهرياً لكنهم بلا ضمانٌ حقيقيٌ لغفرانِ خطاياهم. هؤلاء جميعهم كانوا في حاجةٍ إلى إختبارِ التجديد. لذلكَ قادهم الربُ إلى الحين الذي أعلنوا فيهِ فشلهم وإحتياجهم إلى خلاصِ إلهي .. خلاص ليسَ مبني على تقواهم وأعمالهم بل على عملِ الرب يسوع الكامل على صليبِ الجلجثة. إذ قالَ بكلِ وضوحٍ وجلاءٍ “قد أُكمِل” أي ليسَ هناكَ شيءٌ آخر تُطالبُ بهِ العدالةُ الإلهية ، قد سدَّدَ الربُ يسوعُ الحسابَ كاملاً عن كلِ البشرية بموتهِ وقيامتهِ ، دفعَ أُجرةُ الخطية بالنيابة عن كلِ الناس من آدم إلى آخرِ إنسانٍ على وجهِ الأرض.

لذلكَ أعلنَ الوحي المقدس أنهُ “هكذا أحبَّ اللهُ العالم حتى بذلَ إبنهُ الوحيدُ لكي لا يهلك كلُ مَن يؤمنُ بهِ ، بل تكونَ لهُ الحياةُ الأبدية” (يوحنا 16:3).

وإختبارُ التجديد المشارُ إليهِ هنا هو قبولُ فعلِ ذبيحةَ المسيحِ الكاملة على الصليب وإعلانُ عدمِ مقدرتي على أن أُخلِصَ نفسي بأعمالِ برِّي وتقواي ، وأن أُلقي بالكامل كلَ رجائي على الرب صارخاً لهُ “أللهمَّ إرحمني أنا الخاطي” وهذه الطلبةُ إذا خرجت من قلبٍ صادقٍ مخلِّصٍ مصحوبة بتوبةِ أمينة ، فهي مؤكَّدة المفعول مضمونةُ النتيجة ، لأنها لا تعتمدُ على عملِ البشر الناقص بل على صِدقِ كلمةُ اللهِ الحية الفعالة.

عزيزي القارئ ، هل أنتَ من المتدينينَ الذينَ يتكِّلونَ على تقواهم وأعمالهم الحسنة ويخدِرونَ ضميرهم ببعضِ السلوكياتِ الظاهرية والممارساتِ الطقسية العقيمة .. أم أنتَ مِمَن يُفضلونَ أن يحصل بداخلهم تغيير حقيقي وتجديد قلبي.

أدعوكَ أن تستبدل تديُّنك إلى إيمانٍ حقيقي وإختبارٍ حي.

نبيل زخاري

راعي الكنيسة العربية الإنجيلية بتونجابي

nmzakhary@hotmail.com

212 total views, 1 views today