انطلاق الروح

١- – الانطلاق من معرفة الخطية:

انطلاق الروح للبابا شنودة.jpg

أن تحدثنا عن انطلاق الروح، فلعله يقف أمامنا هذا السؤال.

من أي شيء تنطلق الروح؟

ونجيب بأن الروح وهي علي الأرض، تجاهد لكي تنطلق من أشياء كثيرة، سوف يحدثك عنها هذا الكتاب..

غير أن هناك شيئًا آخر مهما حاولت الروح أن تنطلق منه علي الأرض، فلا أظن أنها تستطيع!.. ربما الانطلاق منه هو إحدى المتع التي ننالها في الأبدية.. فما هو هذا الشيء؟ أنه:

الانطلاق من معرفة الخطية.

عندما خلق الله الإنسان الأول، خلقه بسيطًا نقيا لا يعرف خطية علي الإطلاق، ولا تفاصيل الخطايا، ولا أسماءها.. كان كذلك، قبل أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشر.. كان في براءة الأطفال، وربما أكثر…

ولذلك حينما أغريت حواء من الحية، ما كانت تعرف..

كذبت عليها الحية وقالت “لن تموتا”.. وقالت {تصيران كالله..} {تك5:3}. وحواء ما كانت تعرف أن هناك شيئًا اسمه الكذب. وما كانت تشك في صدق الحية، لأنها ما كانت تعرف الشك.

كان آدم وحواء لا يعرفان سوي الخير فقط. أما الشر، فما كان يعرفانه. ولكنهما لما أكلا من الشجرة دخلتهما معرفته.

دخلت إلي الإنسان معرفة جديدة، هي معرفة الخطية.

بل معارف أخري عديدة، عكرت صفو النقاوة الطبيعية الأولي، ينطبق عليها قول الحكيم:

“الذي يزيد علما، يزيد حزنًا” {جا18:1}.

ولعل أول شيء عرفه آدم، أنه عرف أنه رجل وأن حواء امرأة، وبدأت معرفة الجنس تدخل إلي ذهنه، ثم إلي مشاعره وعرف أن هذا شيء يخجل منه، فبدأ يغطي نفسه. ثم عرف الخوف، فبدأ يختبئ وراء الأشجار. وبمرور الوقت بدأ الإنسان يعرف خطايا عديدة جدًا.

وأصبحت هذه المعرفة راسخة في ذهنه، تثير عليه حروبا روحية في بعض الأوقات. وإن لم يقع في هذه الخطايا، قد يقع في إدانة غيره عليها. وأصبح الإنسان يعيش في ثنائية الخير والشر، الحلال والحرام.

فمتى يتخلص من هذه الثنائية؟

ومتى يرجع عقله إلي نقاوته؟ ومتى تزول من ذهنه معرفة الشر. سواء أكانت وصلت إليه عن طريق العقل، أو عن طريق الخبرة، والممارسة؟ متى يتخلص من تذكار الشر الملبس الموت؟..

لا أظن ذلك يحدث علي الأرض إطلاقًا، إنما يحدث في الأبدية حسبما قال القديس بولس الرسول حينما كان “يسكب سكيبًا ووقت انحلاله قد حضر” قال لتلميذه تيموثاوس.

{وأخيرًا قد وُضِعَ لي إكليل البر} {2تى8:4}.

أخيرًا سيتكلل الإنسان بالبر… البر الذي لا يعرف خطية، والبر الذي لا يعرف خطية.. يتكلل بالقداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب. ولكن متى؟ يجيب الرسول مكملًا حديثه عن أكليل البر “الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل. ليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا”..

إكليل البر هذا، هو الشهوة التي تنطلق إليها الروح..

أما علي الأرض، فإننا كل يوم نخطئ، وفي كل يوم نحتاج إلي توبة. ولا يوجد إنسان بلا خطية، ولو كانت حياته يومًا واحدًا علي الأرض…

متى ننطلق حقًا من معرفة الخطية؟ ولا نعرف إلا الله وحده وما يحيط به من نور، ليست فيه ظلمة البتة.. سيكون لك حينما نلفظ ثمرة معرفة الخير والشر التي أكلها أبوانا في ذلك الزمان.

وحينئذ نعود إلي رتبتنا الأولي..

بل أننا في الأبدية، سنكون في حالة أفضل من حالة آدم في الفردوس. فآدم وحواء كانا في حالة بر، مع إمكانية السقوط. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). أما في الأبدية فسوف نتكلل بالبر، البر الذي لا توجد فيه أية إمكانية للسقوط.

فأن كنا سنصير في حالة أفضل من حالة الإنسان الأول قبل السقوط، فعلي الأقل سنشابهه في البراءة والنقاوة والبساطة وعدم معرفة الخطية.

سننسى الخطية بكل صورها وكل تفاصيلها وكل ذكرياتها.

ولا تبقي في أذهاننا إلا إيجابية الحياة الروحية، في محبة الله، والتأمل في صفاته الجميلة، والتأمل في السماويات، وما لم تره عين، أو تسمع به أذن، أو يخطر علي قلب بشر.

بهذا تكون الروح قد وصلت إلي قمة انطلاقها.

أما هنا علي الأرض، فأقصى ما تصل إليه الروح هو الانطلاق من سيطرة الخطية والمادة والجسد، لكي تحيا طليقة (تُعتَق من عبودية الفساد، إلي حرية مجد أولاد الله) {رو21:8}.

هل شعرت أن روحك وصلت إلي هذه الحرية؟

هل الحرية هي انطلاق الروح. انطلاقها من كل قيد يعوق وصولها إلي الله.. وكيف ذلك؟ هنا وأتركك أمام هذه التأملات التي كتبت غالبيتها في بداية الخمسينات، قبل دخولي إلي الرهبنة…

 

٢- – الانطلاق لمعرفة الله:

معرفة اللهأعترف أمامك يا رب أن اتجاهي في الكتابة كان ينبغي أن يتغيَّر. وأعترف في خجل أمامك أنني كثيرا ما حدثت الناس عن الفضيلة، وقليلًا ما حدثتهم عنك، بينما ينبغي أن تكون أنت الكل في الكل….

غير أنني لكي أتحدث عنك، لابد أن أعرفك. وكيف أعرفك وأنا إنسان محدود؟! بل كيف أعرفك وأنت غير المُدْرَك، وغير المفحوص، أنت النور الذي لا يُدنى منه، ولا يستطيع إنسان أن يراه ويعيش…؟!

ولقد حاولت أن أسأل قديسيك الذين عرفوك، أو الذين عرفوا عنك {بعض المعرفة} فاقتربت إلي بولس الرسول الذي صعد إلي السماء الثالثة، وسألته عنك فقال أن الذي سمعه ورآه أمور {لا ينطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم عنها} {2كو4:12}. وكذلك يوحنا الحبيب الذي رأى بابا مفتوحًا في السماء، وشاهد عرش الله، لم يشرح لنا رؤياه إلا في رموز لا يمكن أن تعطي الصورة الذاتية للحقيقة كما هي..وأحيانا أسأل نفسي: أهي كبرياء منى أن أحاول أن أعرفك بينما ما أزال جاهلا بحقيقة نفسي، وما أزال جاهلا بكثير من الأمور البشرية والمادية؟ أن كنت لم أعرف كنه ذاتي، فكيف أعرف خالق هذه الذات؟

وأن كنت لم أعرف بعد سماءك وملائكتك، فكيف أعرف ذاتك الإلهية.

كل ما أعرف عنك، هو ما تكشفه لنا من ذاتك. وأنت لا تكشف لنا إلا ما تستطيع ذاتنا أن تحتمله. لأنك أن كشفت لنا أكثر، ستقف طبيعتنا البشرية مبهورة في دهش، وقد وقف عقلنا عن الفهم، وعجزت مفرداتها اللغوية عن التعبير، وتعترف أن ما تراه هو من الأمور التي لا ينطق بها.

وأنا أحاول في معرفتك أن أخرج عن نطاق الكتب بكل ما فيها من عمق، بل أن أخرج أحيانًا عن حدود معرفة العقل، لكي أعطى للروح في انطلاقها مجالها الواسع الذي تفوق فيه في قدراتها وفي مواهبها، وفي معرفتها.. كما أنها تقاسى كثيرًا من ضباب هذا الجسد المادي.

أترانا يا رب سنعرفك أذن في الملكوت الأبدي؟ وسننظرك حينذاك وجها لوجه كما قال عبدك بولس؟ أراني حقا حائرا أمام عبارة {وجهًا لوجه}.

أننا في الملكوت علي الرغم من القيامة الممجدة، وما سنلبس من أجساد نورانية روحانية، لابد أن سنظل -كما نحن- بشرًا محدودين…

ستكشف لنا شيئاَ عن ذاتك لم نكن نعرفه في العالم، فنسر بذلك ونفرح، ثم تكشف لنا أكثر فأكثر، على قدر ما نحتمل.

وقد تكشف لنا أكثر فتصرخ نفس كل واحد منا وهي مريضة حبا {كفانا كفانا}.. وتظل أنت توسع في قلوبنا، وتوسع في أرواحنا لنستوعب عنك المزيد.. وتظل أنت يا رب كما أنت… غير محدود،.. ونظل نحن -كما نحن- على الرغم من اتساعنا، محدودين، نعرف عنك بعض المعرفة..

ويطول بنا الزمن في الأبدية. ونحن نستمتع بمعرفتك، نذوق وننظر ما أطيب الرب، ونكشف كل حين شيئًا جديدًا عنك، فنتغذّى بهده المعرفة الحلوة المشبعة ولكننا لا يمكننا أن نلم بك كلك.

أذن متى نعرفك المعرفة الحقيقية ؟

يجيب ربنا يسوع ويقول “هذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك…”… أذن فمعرفتك ليست موضوع سنين أو أيام، وإنما طريقها هو الأبدية كلها، الأبدية التي لا تنتهي..

أن كان الأمر هكذا في الأبدية، فماذا نقول أذن عن جهالتنا علي الأرض؟ أحقا نحن نعرف شيئًا؟

لذلك أتوسل إليك أيها الخالق العظيم، أن تعذرني أن كنت أحدث الناس عن الفضيلة أكثر مما أحدثهم عنك.

فذلك يرجع إلي سببين:

السبب الأول: هو أنني لا أعرف. كل ما أعرفه هو أنني أصلى إليك أن تكشف لي شيئًا عن ذاتك، وما تكشفه لي أخبر الناس به، لكي يجربوا مذاقة الملكوت علي الأرض.

والسبب الثاني: هو أنني عندما أحدثهم عن الفضيلة إنما أريدهم أن يعدوا قلوبهم لمعرفتك. أريدهم أن يرفعوا البخور عشية وباكر على هذا القلب حتى يستحق أن تقدم عليه السرائر الإلهية.

ونحن بذاتنا لا نعرف، لكننا نريد بنعمتك – أن نعد ذواتنا لمعرفتك، وهذه المعرفة تأتي منك أنت، بما تكشفه لنا، ولا تأتي بمجهود عقولنا، ولا حتى بمجهود أرواحنا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). أن كل جهاد عقولنا وأرواحنا -مع ضرورته- أنما يدخل في حقيقته تحت معني الصلاة أو التوسل، لكي يملأ السحاب البيت، وتشتعل النار في العليقة، ويكشف الرب ذاته.. وحينئذ يسجد القلب في خشوع، ويرتل في شكر:

{أعطيتني علم معرفتك}.

هذه المعرفة الإلهية هي اللؤلؤة الكثيرة الثمن، التي من أجلها باع التاجر كل أمواله واشتراها.

ولعله من الأموال التي باعها، ما نكنزه في عقولنا من معارف بشرية متعددة تشغل كل أوقاتنا حتى لا نتفرغ لمعرفتك أنت، وحتى لا نجلس مع مريم عند قدميك تسكب في قلوبنا ذلك الماء الحي، الذي

كل من يشربه لا يعود يعطش أيضًا…

ليتنا نسعى إلي هذه المعرفة، ونطلبها بكل قلوبنا، ونجدها في داخلنا، في عمق أعماقنا، حيث تسكن أنت، وحيث هيكلك المقدس الذي تدشن يوم المسحة المقدسة منك.

٣- التحرر من القيود:

التحرر من القيودكانت الساعة السابعة مساء، والسكون يخيم علي أرجاء المكان، حين بدأت وأبي الراهب نضرب بأقدامنا في رمال الصحراء، نتمشى حينا ونقف حينا آخر، متأملين في موضوعات أسمى من أن يكتبها قلم بشري.. وقد طال بنا التجوال ونحن لا ندرى، أو نحن لا نود أن ندرى، حتى استقر بنا المطاف أخيرًا علي عتبة الدير، فجلسنا نناقش موضوع: انطلاق الروح..

رواسب وقيود:

لست أعنى انطلاق الروح من الجسد، ذلك المعنى الذي قصده سمعان الشيخ حين قال “الآن يا رب أطلق عبدك بسلام حسب قولك”. أنما أعنى انطلاق الروح وهى ما تزال في الجسد، انطلاقها من كل ما يحيطها من رباطات وقيود، حين يبدأ السلام الكامل ويعيش الإنسان في حرية أولاد الله.أترى يا أخي العزيز الطفل بعد عماده وروحه حرة طليقة كما أوجدها الله فيه، ثم أتعرف ماذا حدث لها؟!

لقد أرسب عليها العالم والعرف والبيئة رواسب عدة، وتقيدت من جراء ذلك وغيره بقيود كثيرة تعوق انطلاقها إلي حيث تريد ان تذهب لتتحد بالله وتثبت فيه، وكل ما يبحث عنه أولاد الله هو انطلاق الروح من كل هذا: انطلاقها من قيود العالم والبيئة، وانطلاقها أيضًا من قيود الحس والحكمة البشرية.

وهنا التفت الأب الراهب وقال: هل يحسب البعض أن السيد المسيح عندما قال: {إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال لن تدخلوا ملكوت السموات} كان يقصد: أن لم تصغروا وتصيروا مثل الأطفال {كلا. بل كان يود أن يقول: {أن لم تكبروا في الروح جدًا حتى تصيروا مثل الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات}؟

قيود الحس:

وقف أمام القديس مقاريوس الكبير راهب حاربه البر الذاتي حتى ظن أنه تخلص من الزنا وحب المال والغضب، فسأله الأب القديس عما يشعر به إذا رأى امرأة: فقال أعرف أنها امرأة ولكني أهرب لئلا أشتهيها. فسأله أيضًا عن شعوره إذا رأى مالا ملقى في الصحراء، أيستطيع أن يفرق بينه وبين الحصى؟!

فأجاب بأنه يستطيع ذلك ولكنه يمنع نفسه من محبة المال، وسأله القديس ثالثًا عن شعوره إذا أهانه أحد، فأجاب بأنه يحس أنه أهين ولكنه لا يبيت الغيظ في قلبه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). وهنا التفت القديس إلي الراهب وأخبره أنه ما يزال تحت الآلام. وأنه في حاجة إلي جهاد أكثر. وبدأ يعظه..

إنها قيود الحس يا صديقي القارئ التي تجعل المرء يفرق بين الرجل والمرأة، المتقدمة في السن والفتاة الشابة، وبين الفتاة “الجميلة” و”غير الجميلة”.

أنها قيود الحس أيضًا التي تجعله يفرق بين النقود والحصى… وماذا أذن عن الإهانة والمديح؟

ذهب أحد الرهبان إلي القديس مقاريوس وطلب منه نصيحة، فأمره القديس أن يذهب ويمدح الموتى فذهب ومدحهم فلم يرد عليه منهم أحد، فأمره القديس أن يذهب ويشتد عليهم في القول، ففعل ذلك فلم يرد عليه أحد.

فقال القديس للراهب: وهكذا أنت ما دمت قد مت عن العالم فيجب أن تشبه هؤلاء الموتى، لا تتأثر في شيء، وإنما سيان عندك أن مدحك الناس أو ذموك..

وفي أحدى المرات أحضر أحد الأثرياء هبة مالية إلي الدير لتفرق علي الرهبان، ولكي يقدم رئيس الدير لهذا الثرى عظة عملية، وضع المال جانبا وأمر بدق الناقوس فأجتمع الرهبان، فطلب إليهم الأب الرئيس أن يصنعوا محبة ويأخذوا ما يحتاجونه من هذا المال، ولم يأخذ أحد منهم شيئًا رغم الإلحاح الشديد، تأثر الرجل الثرى جدًا، وطلب أن يترهب..

أن العالم يا آخى الحبيب والجسد أيضًا قد أرسب على إحساساتنا رواسب عديدة كان من نتائجها أن أشياء عالمية كثيرة مادية وجسدية أصبحت تبدو لنا في صورة أجمل من غيرها وأكثر جاذبية وأعمق أثرًا في النفس. وعندما تسموا الروح، وعندما تنطلق إلي حد ما مما يعرقل طريقها من القيود، عند ذلك سيرقى إحساسها جدًا، أو قل ستنطلق من الحس العالمي، وتفهم الأمور بإدراك روحي آخر.

هل إذا طال بك السفر بعيدًا عن أسرتك، ثم قابلتهم بعد هذا الفراق الطويل فعانقوك في محبة وفي شوق زائد، هل وسط تلك المحبة التي سبحت فيها روحك، ستحس أن أباك الرجل يختلف عن أمك المرأة، وأخيك الفتى، وأختك الفتاة. وهل عامل الإنقاذ في الحرائق أو حوادث الغرق يحس أن الجسم الذي يحمله منقذا إياه من الهلاك، هو جسم فتى أو فتاة، أو رجل أو امرأة؟! كلا بل أؤكد لك انه لو أحسن شيئًا من هذا لعرض نفسه للموت هو ومن يعمل علي إنقاذه.

ألا ترى أذن أن الروح تسمو على الحس، وأن هناك أوقات يتعطل فيها الحِس كليًا أو جزئيًا لانهماك الروح فيها هو أعظم..؟

وهكذا أنت في حياتك الروحية عليك أن تتخلص بقدر الإمكان من قيود الحس. وعندئذ ستنظر إلي الأمور بمنظار آخر: سوف لا تحاربك الشهوة، شهوة العين أو شهوة الجسد أو شهوة المال أو شهوة الناس أو تعظم المعيشة. بل تكون كملائكة الله في السماء تنظر إلي كل شيء بتلك {النظرة البسيطة} التي قال عنها السيد المسيح في عظته علي الجبل: {إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرًا} {مت22:6}.

علي أن هذه الأفكار لم تكن موضوع الحديث بين أبى الراهب وبيني، فقد كنا نتكلم فيما هو أعمق من هذا، في موقف الحس عند تفهم الإلهيات والتأمل فيها: أن الإحساس الجسدي جسدي ومحدود لذلك فهو لا يستطيع أن يفحص الله الروح غير المحدود. ثم أن الحس البشرى عرضه للخطأ، وكثيرًا ما يخطئ في التمييز بين الخطأ والصواب.

لقد رجع التلاميذ إلى السيد المسيح فرحين وقالوا له: {حتى الشياطين أيضًا تخضع لنا باسمك} فرد عليهم السيد: {لا تفرحوا بهذا} {لو10: 17، 20} إذ أن إحساسهم كان خاطئًا.

أنظر أيضًا إلي القاتل الذي ثأر لنفسه أو أنتقم لشرفه، ألا يغمره أحساس بالرضى كأنه أتى عملًا جليلًا. أنه حس خاطئ. وأنت كذلك يا أخي المحبوب قد تراودك في صلواتك وخلواتك وتأملاتك أحساسات كثيرة: أمتحنها جيدًا فقد تكون أحساسات بشرية غير سليمة.. وحاول أن تطلق روحك من قيود الحس.

بقى أن أقول لك الإحساس بالعالم وموجوداته يتعطل عند الاستغراق في الإلهيات. كانت حنه تصلي في الهيكل. كانت منسكبة النفس أمام الله فلم تشعر بما يدور حولها حتى أن عالي الكاهن حسبها سَكرَى فقال لها: {إلي متى تسكرين. قومي انزعي خمرك عنك}.{1صم1: 13، 14}.

وهكذا أنت: أن كنت منصرفا بكليتك إلي الصلاة أو التأمل فسوف لا تشعر إطلاقًا بما يدور حولك. قد يتكلم البعض إلي جوارك وقد تقوم ضجة. وقد تتهادى مناظر كثيرة، وأنت لا تدرى عن كل ذلك شيئًا لأنك منهمك في أمور أخرى في عالم الروح. أن حسك معطل نسبيا لأن روحك؟ لا أدري، ولكني أعلم أن القديس يوحنا القصير كانت تمر عليه في تأملاته فترات يتكلم فيها الناس إليه فلا يسمع صوتهم ولا يدرى ماذا يقولون، ويسأله السائل مرة أخرى فيجيبه القديس {ماذا تريد يا ابني؟} ويكرر السائل طلبه ولا يسمعه القديس أيضًا. لأن روحه منشغلة بأشياء أخرى أهم وأعمق وألصق بالسمع والذاكرة. وكانوا يسألونه أحيانًا أسئلة فيجيبهم عنها بتأملات لاهوتية لا علاقة لها بما يسألونه عنه، لأنه لم يسمع ما قالوه.

 

٤- الانطلاق من الحكمة البشرية أيضًا:
الحكمة البشرية

والآن، ماذا أقول؟هل أقول أن تنطلق الروح من نطاق الحكمة البشرية أيضًا؟ يخيل إليَّ أنني أود أن أقول هذا {ألم يجهل الله حكمة العالم} {لأن الرب يعلم أفكار الحكماء باطلة {لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله} لأنه مكتوب {الآخذ الحكماء بمكرهم} {1كو1: 20، 3: 20، 19}.

علي الرغم من أن العقل البشري -منذ وجوده- قاصر ومحدود، إلا أنه كان في حالة أفضل يوم خلق الله العالم ونظر إلي كل ما عمله فإذا هو حسن جدا.. ولكن الخطية والعالم وما ورثناه عن القدامى من أفكار وأبحاث وخبرات وعادات وتقاليد ونظم وشكليات. كل ذلك أرسب علي العقل البشرى رواسب كثيرة حتى أصبح -زيادة على قصوره- معرضًا للخطأ في كثير من أحكامه. وهكذا لا يستطيع وحده أن يفهم الله أو يفحصه، والذين يظنون أنهم حكماء وعقلاء ويعتمدون على حكمتهم وعقلهم هم أبعد الأشخاص عن الروحيات والإلهيات. وهكذا قال معلمنا بولس الرسول: {وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل من الله.. لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدوس قارنين الروحيات بالروحيات} {1كو2: 4، 12، 13}.

أرأيت يا أخي الحبيب بطلان الحكمة البشرية.. فهل يلغى الله الحكمة علي وجه العموم، كلا. بل يؤيدها. وهكذا يقول معلمنا بولس في نفس رسالته: {لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر}.

لذلك إذا أردت لروحك أن تفهم مقاصد الله، فأطلقها أولا من حكمتك البشرية، وقف أمام الله جاهلًا فارغا من كل علم وفهم، حينئذ ستمتلئ بالمعرفة الروحية الكاملة، وليست المعرفة البشرية القاصرة {لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله.

أليس هذا ما يعنيه معلمنا بولس الرسول إذ يقول: {إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلا لكي يصير حكيمًا} {1كو18:3}.

تقدم إلي السيد المسيح رجل ذو يد يابسة بطلب الشفاء فأمره السيد أن يمد يده فمدها فصارت سليمة {مت12: 10، 13}. وتؤخذ هذه الحادثة دليلا على قدرة السيد وهذا صحيح، ولكن لها وجهًا آخر وهو تحطيم نطاق الحكمة البشرية. لو كان هذا الرجل متمسكًا بالحكمة البشرية لجادل السيد في الأمر: {كيف أمد يدا يابسة؟ هل اليد اليابسة تمتد. ولو كانت تمتد فما حاجتي إلي الشفاء؟ اشفني أولا ثم أمدها} أما هذا الرجل فصار جاهلًا لكي يصير حكيما. فتجاهل الحكمة البشرية التي لا تؤمن بامتداد اليد اليابسة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). والتي لا تؤمن لا بانتقال الجبل من موضعه، ولا يمشي الرجل على الماء، ولا بعد التفكير في الغد..

إنها الحكمة البشرية التي جعلت الناس يضعون الله تحت المجهر هو وصفاته وتعاليمه!. وهى {الحكمة} التي جعلت البعض يقبلون من الإنجيل ومن قوانين الكنيسة ما يرونه بأفكارهم صحيحًا، ويرفضون ما لا يتفق ومنطقهم العقلي..

أما أولاد الله فيتناولون كل شيء ببساطة وبغير تعقيد تريدنا يا رب أن نمشي في البحر الأحمر؟ سنمشى إذن لأنك لابد تشق لنا فيه طريقًا فلا نغرق.

هناك أسطورة تقول أن البحر الأحمر لم ينشق عندما ضربه موسى بعصاه، وإنما انشق حالما رفع أول رجل قدمه ليضعها في الماء: إنها مجرد أسطورة ولكنها تحمل في طياتها معنى ساميا من معاني الروح.

 

٥- نطاق الجدران الأربع:

الجدران الأربع

أود أن أخبرك الآن أن الروحيات في الصحراء والجبل لها طابعها الذي يختلف عن طابع الروحيات في المدينة فمن أهم القيود التي تتعب العابد في المدن، هي نطاق الجدران الأربع..

ولقد جربت هذا بنفسي، كنت منذ سنوات في معسكر في ألماظة وهى بقعة صحراوية تقع على بعد أميال من ضاحية مصر الجديدة. وكنت متعودا أنا وأحد أخوتي من مدارس الأحد أن نصعد على أعلى رابية في تلك الصحراء لنقضى وقتا في الصلاة والتأمل. وكانت مصر الجديدة، تلك الضاحية الفخمة في مبانيها وشوارعها وتنظيمها وسكانها أيضًا، تظهر لنا على بعد كشيء ضئيل تافه على مرمى النظر في خط الأفق. ولم يكن يبدو منها غير بعض أضواء بسيطة: لعاملين بسيطين هما عامل البعد وعامل الارتفاع. وكنا نشعر أن روح كل منا انطلقت من احترام الطول والعرض والارتفاع، والفخامة والضخامة. والتنميق والترويق، وتساوى أمامها القصر العالي والبيت الصغير، إذ لا يبدو شيء من كليهما. بل كنا نشعر بسعادة ولذة روحية ونحن جالسان على الرمل فوق تلك الرابية المرتفعة، سعادة لم نجدها في المدن في يوم من الأيام.وفي عطلة من المعسكر رجعنا إلي القاهرة وأقول لك الحق يا أخي الحبيب أنني انزعجت من هذه العاصمة الصاخبة. وكنت أسير في الشوارع وفي رأسي وإذني بركان ثائر من ضجيج الناس وصوت السيارات والترام ووسائل المواصلات المتعددة. وعرفت وسط هذا الصخب أنني لست بقادر أن أفكر تفكيرًا منطقيا مرتبا متلاحقا، كما كنت أفعل فوق الرابية المرتفعة.

وعندما أغلقت علي باب مخدعي ووقفت للصلاة، لم أستطيع أن أصلي، كانت الجدران الأربع التي للغرفة بمثابة حاجر منيع يفصلني عن التمتع بالله. وأقول لك في صراحة أنني خرجت من غرفتي دون أن أصلي وسرت بعيدًا بعيدًا أبحث عن فضاء هادئ مرتفع لا أرى فيه إمامي الأبنية والمنشآت، وتصغر فيه نواحي العمران والمدينة، وبعد حوالي الساعة من السير وجدت مكانا فيه شيء ضئيل مما أطلب، وهكذا رجعت إلي منزلي ضيق النفس مشتاقًا إلي رابيتي المرتفعة مرة أخري…

وانقضت أشهر المعسكر ورجعنا إلي العاصمة، ووجدت نفسي مضطرًا إلي تعود الصلاة بين الجدران الأربع. ولكن ذكريات تلك الرابية المرتفعة ما زالت خالدة أمام عيني حتى اليوم، ولكي أحصل علي جانب من التعويض كنت – بعد أن أنتهي من درسي في مدراس الأحد، أصعد وأخوتي الشبان إلي سطح الكنيسة المرتفعة لنلقي نظرة علي القاهرة، فنراها أيضًا في ظلمة المساء شيئًا ضئيلًا لا تبدو منه إلا أشباح أبنية تلمع فيها تلك النقط البيضاء المضيئة.

أن روحك يا أخي الحبيب تود أن تنطلق هي أيضًا كالطير من غصن إلي غصن، تود أن تصير كالملائكة الذين يسبحون في السماء بغير روابط أو قيود. وأن لم تستطع هذا باستمرار، فلا أقل من تهيئة فرص في بعض المناسبات…

إن هذا يجعلني أتخيل التأمل أغزر وأوفر بالنسبة إلي البحار والفلاح وسكان الجبل وساكن الصحراء.. ويُخَيَّل إلي أننا سنصير كذلك عندما نتخلص من نطاق الجسد ونصعد إلي فوق، حيث الله والملائكة والقديسون. وقد تناولت هذا الموضوع مع أبي الراهب، فحدثني عن اختبار روحي آخر، حكي لي كيف انفرد في قلايته ثمانية وعشرين يوما في مستهل حياته الرهبانية. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). قابعا بين الجدران الأربع، لا يري أنسانا ولا يتصل بإنسان، مجاهد في صراع عنيف بينه وبين الله ونفسه، وكيف كانت تلك الحقبة من الزمن فترة {غربلة} قاسية لنفسه، استطاعت فيها الروح أن تنطلق شيئا فشيئًا من قيودها الكثيرة إلي الله، وتغصب منه الوعود اغتصابًا…

وبعد ذلك خرج الراهب من قلايته وقد تساوت أمامه الجدران واللاجدران…

وهنا أقدم لك في هذا الموضوع مرحلة من مراحل الروحانية أسمي وأعمق. كانت المرحلة الأولي هي التبرم بالجدران الأربع، أما هذه فهي مرحلة عدم الإحساس بالجدران الأربع ، حيث تجلس في غرفتك. وتستغرق في صلاتك أو تأملاتك أو قراءاتك، حتى لا تعود تشعر بكل ما حولك، وإنما تعيش في عالم آخر يسمو علي الحس، لا تعرف فيه هل أنت في غرفتك أم في فضاء الدير، هل قلايتك لها جدران أن ليس لها، بل أقول أنك في تلك الحالة لا تستطيع أن تميز هل انتقلت إليك السماء وأنت علي الأرض، أم انتقلت وأنت علي الأرض إلي السماء؟ بل دعني أهمس في أذنك يا أخي الحبيب أن هناك أشخاصا لم يستطيعوا أن يدركوا – في حالات كهذه – هل هم في الجسد أم خارج الجسد كما حدث للقديس بولس الرسول، وكما روي عن القديس يوحنا الأسيوطي والشيخ الروحاني أيضًا.

يتدرج بي هذا الموضوع، موضوع انطلاق الروح من المكان إلي تأمل آخر متعلق به وهو {الرؤى}.

سمعنا في هذا الأمر من قبل عن اختبارات القديسين يوحنا الحبيب والقديس بولس الرسول، ويعوزنا الوقت أن استرجعنا اختبارات الأنبا انطونيوس والأنبا شنوده وغيرهما من القديسين الذين انطلقوا من أماكنهم وعاشوا بالروح في أجواء وبيئات أخري رأوا فيها أشياء عجيبة لا ينطق بها.

أنما أذكر هنا قصة رواها لي أحد أخوتنا الأحباء عن كاهن ممتلئ بالروح كان واقفا يصلي في المذبح فلما وصل في صلاته إلي عبارة {ورفع نظرة إلي فوق..} رفع نظره هو أيضًا، وسادت الكنيسة فترة من الصمت العميق، ومرت دقيقة ودقيقتان ودقائق كثيرة والكاهن القديس ناظر في صمت إلي فوق في دهشة وذهول، وطال الوقت جدًا والشعب يتأمل كاهنه المبارك في صمت، وبعد فترة أخفض الكاهن بصره، وأكمل صلاته في عمق وحرارة دون أن يحس فترة الصمت التي مرت به، ولما أخبره أحد خواصه -بعد القداس- بما حدث وطلب منه إيضاح الأمر، اضطرب ولم يجِب، ولما أكثر عليه الإلحاح قال انه نظر إلي فوق فإذا بالكنيسة وكأنها بلا قبة ولا سقف، وإذا به يتأمل سلمًا طويلًا يصل المذبح بالسماء. فتأمله لُحيظات كأنها جزء من الدقيقة ثم أكمل صلاته…

يتحدثون بعد ذلك عن الرهبنة كطريق إلي الخدمة، وما أري الرهبنة إلا طريقا إلي السماء تساعد فيه الخلوة والتأملات والجهاد المستمر علي دوام انطلاق الروح حتى تتحد بالله.

يُخَيَّل إلي يا أخي الحبيب أن هناك أشياء لأقولها له في هذا الموضوع.

 

٦- أعظم من السماء والأرض:

genesis-z005

لم أكن في هذه المرة سائرًا في الصحراء ولا جالسًا علي عتبة الدير وإنما مع أبي الراهب أمام مغارته في الجبل، نتابع حديثنا الماضي عمن هو: أعظم من السماء والأرض..

الروح التي تود أن تنطلق يا أخي الحبيب هي الروح التي تدرك تماما قدر ذاتها، والتي تعرف أنها عظيمة بهذا المقدار كله، وأنها أكبر وأكبر جدًا من أن يذلها الجسد أو تذلها البيئة أو يذلها الشياطين.

ولكي أعطيك فكرة عن هذا الأمر، يليق بنا جدًا يا حبيب الله أن نبحث الأمر معا، ونتذكر الماضي والحاضر والمستقبل أيضًا، حتى ندرك أية قوة مخبأة فينا ونحن لا ندري. نتذكر أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي خُلِقَ علي صورة الله ومثاله {تك 1: 27}، فإن طلب أليك أن تعرف ذاتك، فقل في قوة وثقة {أنا صورة الله}.

وأنت -كصورة الله- قد كتب لك الخلود. فمن المحال أن تفني. وهل يعقل أن يفني شخص علي مثال الله الخالد؟! إذن فأنت أعظم من الجبل الشامخ ومن البرج الضخم، أعظم من الشمس الملتهبة ومن القمر المضيء. أعظم من الصحراء الواسعة ومن السهل الفسيح. أعظم من الذرة المحطمة ومن كل قوات الطبيعة علي الإطلاق. فكل هذه الأشياء تزول، لأن السماء والأرض تزولان كما يقول الكتاب {مت 24: 35}. وأما أنت فلك الحياة الأبدية كما وعدك السيد المسيح {يو14:4} أنت يا صورة الله.

 

٧- أنت ملك الأرض وما عليها:

ملك الأرض.JPGأنت يا أخي العظيم المخلوق الإلهي الوحيد، أنت -من دون الأرض وما تحتها وما عليها- المخلوق الذي أعطاه الله -كما أعطي الملائكة- موهبة العقل وموهبة النطق، والذي أُعْطِيَ أن يعرف الله ويتعبد له. أنت الذي جعل اله مسرته فيك، وهذه الطبيعة كلها التي تظنها أحيانا أعظم منك، ما خلقها الله إلا لتكون في خدمتك، فتسخرها جميعا حسب إرادتك ووفق سلطانك…..

وهكذا خلق الله أولا كل شيء، ثم أوجدك أخيرًا، لتكون ملكا علي كل ما خلقه من قبل، تكون ملكًا علي طيور السماء وسمك البحر وحيوانات البرية وعلي كل الأرض {تك1: 26 و28} أنت يا من تستضعف ذاتك وتخاف من الصقر والحوت والأسد وأشباهها، من عبيدك الضعفاء الذين كانوا في خدمتك في يوم ما..

لا تظن أنك كنت هكذا قبل الخطيئة فقط، أنما كان الأبرار في كل العصور لهم هذه الهيبة وهذا السلطان أيضًا: أن شمشون قاضي إسرائيل ضرب الشبل بيده فوقع صريعا، دانيال كان في جب الأسود ولم تضره الأسود في شيء، يونان ابتلعه الحوت وأخرجه دون أن يقوى علي إيذائه، والثلاثة الفتية دخلوا في أتون النار بردا وسلاما.. ومثل هذا يقال في العهد الجديد.

أيضًا علي القديس مرقص وأسده، وعلي القديس بولس الذي نشبت أفعى كبيرة في يده فنفضها إلي النار ولم يتضرر بشيء رديء. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). حتى تعجب الناس وقالوا {هو اله} {أع82: 3- 7} أنه أنت الذي أعطيت سلطانا أن تدوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو {من صلاة الشكر}.

آه يا أخي الحبيب لو عرفت قدر روحك، هذه التي تحبسها بخطيتك في سجن من الذلة والجبن والخوف، وهي -من وراء قضبان سجنك- تتطلع إلي مجدها السالف وتود انطلاقًا، لو سمحت أنت لها.

٨- أنت المخلوق الإلهي:

Vine.jpg

أنت {يا جبار البأس} مخلوق إلهي، أنت الذي قال له الله الابن أثبت في وأنا فيك كما يثبت الغصن في الكرمة {يو4:15}. وأنت الذي يقرع الله علي بابك ويود أن تفتح له فيدخل ويتعشى معك وأنت معه وعندك يصنع منزلا {يو23:14}.

أنت الذي طلب منه أن يسعى ليصير مثل الله، كما يظهر قول السيد له المجد {كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل }. أنت الشخص الذي وجد الله لذة في أن يدعوه ابنه..

أنت الذي صب الرب ماء وغسل رجليك ومسحهما بالمنشفة التي كان مُتزرًا بها.

أنت الذي قال الرسول عن أعضاء جسدك أنها أعضاء المسيح {1كو15:6}..!!

أنت الوحيد الذي قيل عند أنك هيكل الله وروح الله يسكن فيك {1كو16:3}.

أنت الذي تشتهي الملائكة أن تكون مثلك، يا من أنت وحدك تتناول جسد الرب ودمه الطاهرين، يا من قال الرب أنه يريدك أن تكون واحد فيه وفي الآب {يو21:17}.

 

٩- أنت الذي تخدمه الملائكة:

Angels.jpgملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم {مز7:34}. ألم تر يا أخي المحبوب كيف أرسل الرب ملاكين لإنقاذ لوط من سدوم، وكيف أرسل ملاكه فسد أفواه الأسود أمام دانيال، وكيف قال أليشع لتلميذه: {لا تخف لأن الذين معنا أكثر من الذين علينا… وفتح الرب عيني الغلام فأبصر وإذا الجبل مملوء خيلًا ومركبات نار {2مل6: 15 –17}” وكيف أحضر ملاك الرب طعامًا لإيليا وهو نائم تحت الرتمة فقام إيليا وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين يوما {1مل19: 5- 9} وكيف حمل ملاك الرب حبقوق ليقدم طعامًا لدانيال في الجب {دا 14: 35- 38}..

ويعوزني الوقت أن أحدثك يا حبيب الرب عن الخدمات التي قدمها الملائكة لك ولأخوتك، وعن اهتمامهم بك، وشفاعتهم فيك أنك مخلوق مهم.

 

١٠- أنت الذي دُعيت إلهاً:

God.jpgأنت يا أخي المحبوب الشخص الذي دعي إلهًا من الله والناس..

{ألم أقل أنكم آلهة،

وبني العلي تدعون} {مز7:82}.

وقال الله من قبل لموسى:

{أنا جعلتك إلهًا لفرعون} {خر1:7}.

ليس المقصود طبعا الألوهة كالله، وإنما السيادة.

وأيا كان معني هاتين العبارتين فإنهما تدلان بلا شك علي المكانة الكبرى التي لك عند الله يا أخي الحبيب.

 

١١- أنت تحِل وتربط في السماء:

كهنةإن كان مما يرفع قدرك جدًا أن يذهب السيد المسيح بنفسه ليعد لك مكانًا عند الآب في السماء، ثم يأتي ويأخذك إليه قائلا لك: {تعالى يا مبارك أبي رث الملك المعد لك منذ إنشاء العالم} أفليس بالأكثر تعلو نفسك في مقدراها علوا عندما يضع الله في يديك مفاتيح السموات، ويقول لك: ما حللته علي الأرض يكون محلولًا في السماء وما ربطته علي الأرض يكون مربوطًا في السماء، بل أكثر من هذا يعطيك سلطان الغفران واللاغفران {هذه العبارة تخص الكهنة طبعا، والكاهن إنسان وهذه المقالة تتحدث عن الإنسان من حيث كونه إنسانا، بجميع أفراده، وجميع الأجيال التي مر بها}، يعطي كل هذا لك أنت أيها الإنسان، يا صورة الله ومثاله، بل يا من ظهر الله في شكله وأخذ جسدا مثله؟، ناسوته لم يفارق لاهوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.

 

١٢- أنت صديق الله:

Ibrahamتذكر أن الله -تسامت حكمته- قبل أن يحرق سدوم وعمورة يقول:{هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله. وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية ويتبارك به جميع أمم الأرض {تك18: 17و18}؟! وهكذا يعلن الله مشيئته لصديقه إبراهيم، ويناقشه إبراهيم في الأمر مناقشة فيها عتاب وفيها دالة وفيها جرأة.. حاشا لك. أديان الأرض كلها لا يصنع عدلا {تك 18: 24- 26}. وهذه دالة. ليست مجرد كلام عبد لسيده، أو مخلوق لخالقه، وإنما هي عبارة صديق يعرف مكانته عند صديقه.

وهوذا موسى يفعل الأمر نفسه في حديثه مع الله أيضًا عندما أراد الله إفناء شعبه ” الآن أن غفرت خطيتهم، وإلا فامنحي من كتابك الذي كتبت {خر32: 33} ” دالة وصداقة من غير شك!!

هل عرفت يا أخي قيمة روحك، ومقدار عظمتها أمام الله أو تقبل بعد ذلك علي كرامتك أن يبعث بك شيطان حقير، قد أعطاك الله سلطانًا علي جميع الشياطين؟! لا أظن ذلك.

 

١٣- كان مستغرقًا في نومه:

Peterكان مستغرقا في نومه حين همس الكلام في أذنه {إلي متى تعيش هكذا؟ ظلًا لإنسان آخر يتحكم فيك كما يشاء؟! {وكان الصوت مترفقا نصوحا فلم يفزع ذلك النائم إنما رد في هدوء {ماذا تعني يا سيدي الملاك؟} فأجابه الملاك {أقصد أنك في أفكارك وفي حياتك الروحية قد فقدت شخصيتك، وأصبحت تعيش بشخصية غيرك. هناك رجل آخر كبر في عيني نفسه، ثم ظل يكبر في عينك أنت، حتى جعلته مثلك الأعلى تتبعه في كل شيء: ترتفع معه إن ارتفع، وتسقط معه حينما سقط،، آراؤه آراؤك، وانحرفاته هي انحرافاتك، بل انك تدافع عن أفكاره أكثر مما يدافع هو عنها. وأنت تؤمن بمبادئ هذا {السيد} دون نقاش، يكفيك أن معبودك هذا قد نطق بها في وقت ما}.

وأحس ذلك النائم أن كل ما قال الملاك صحيح، ولكنه أراد توضيحًا لمواقفه فقال: {وهل من ضير يا سيدي الملاك في أن أتبعه مادامت كل أفكاره سليمة ليس فيها شيء من الخطأ؟ أليس من الجائز أن يخطئ كإنسان؟ وإن أخطأ فكيف تعرف ذلك، ما دمت لا تسمع إلا أفكاره ولا تود أن تقبل غيرها؟ وما دام كل شخص يعارض أفكار هذا {السيد} هو في نظرك شخص لا يصح أن تستمع إليه، وإن استمعت فبروح الجدل، محاولا أن ترد علي كل فكرة وأن تنقضها دون أن تتفهمها لا لشيء إلا لأنها تعارض آراء سيدك!!}.

 

١٤- اعرف ذاتك:

Know.jpgهل تود أن تكون كاملا يا أخي الحبيب؟ وهل تريد أن تنطلق روحك انطلاقا إلي حيث لا قيود ولا حدود؟ إذن فعليك قبل كل شيء، أن تفرغ ذاتك من كل شيء: من كل ما أرسبه فوقك العالم من رغبات وعلوم وأحاسيس..

عليك أولا أن تنكر ذاتك، وأن تقف أمام الله كلا شيء. اعرف نفسك بالحقيقية، من أنت؟ أليس مجرد حفنة تراب، من تراب الأرض..؟ بل أنت أقل من تراب. أنت عدم، لا شيء مر وقت لم تكن فيه موجودًا، ومع ذلك كان العالم عالما، من غيرك. ثم كونك الله إذ لم تكن: خلق التراب أولًا، ثم خلقك من تراب. علام إذن ترتفع، ومن أنت حتى ترتفع؟ اخفض رأسك في خجل وذلة. فأنت عدم. وقف أمام الله من انكسار نفسي وانسحاق روح ذاكرًا أصلك القديم.

هل عرفت أنك عدم؟ بل أصارحك أيضًا أنك أقل من عدم. فالعدم هو لا شيء خير من الخطية التي جلبها الإنسان إذ أن {تصور قلب الإنسان شرير كل يوم} {تك5:6}.

فإن وجدت فيك شيئًا صالحًا، تيقن تماما أنه ليس منك، بل هو من الله الكلي الصلاح، والكامل القدوس وحده، لأنه ليس أحد صالحًا إلا الله وحده {مت17:19} إن وجدت فيك شيئًا صالحًا فلا تنتفخ ولا تتفاخر، ولا تحارب نفسك بالبر الذاتي، وإنما أرجع المجد لله، لأنه هو المستحق وليس أنت، فالله هو الذي صنع الخير، لأنه صانع الخيرات، بل لأنه الخير ذاته، وهو الصلاح ذاته، وأنت بدونه فناء لا تستطيع أن تعمل شيئا. فلا تسرق مجد الله وتنسبه لنفسك. قد تضئ كالقمر، ويزداد ضياؤك حتى تظهر بدرا، ولكن في كل ذلك تذكر أن القمر هو كوكب مُظْلِم يستمد نوره من الشمس، وليس فيه ضياء من ذاته، وأن احتجبت عنه الشمس لا يظهر منه شيء لأنه مظلم بطبيعته. أترى يستطيع القمر أن يتحدث عن نوره} أمام الشمس؟ هكذا أنت أيها الحبيب أمام الله.

أما أن وجدت فيك شرًا فاعرف أنه منك، من الخطية الرابطة التي اشتقت إليها. وكنت تسود عليها فسادت عليك {تك 4} لأنه ليس شر من قبل الله. الله الذي لا يتفق الشر مع طبيعته والذي بعد أن عمل كل شيء بيديه الطاهرتين اللتين بلا عيب ولا دنس، {نظر إلي كل ما عمله فإذا هو حسن جدًا}.

هل عرفت ذاتك يا أخي الحبيب؟ وهل أدركت أن إنكار الذات هو القاعدة الأساسية لعلاقتك مع الله؟ لست أقصد أن تعتبر ذاتك شيئا تتواضع فتنكره، لأن ذاتك لا شيء، عدم وفناء. ولست أحب ان استعمل كلمة {تواضع}، لأن المتواضع هو الكائن الذي يتنازل من مكانه إلي درجة أقل ارتفاعًا وأدني سموًا. أما إنسان حقير مثلي ومثلك، كان ترابا وعدما، مستحيل عليه أن يتواضع، إذ ليست له درجة حتى يرفضها، أو كرامة حتى يتخلى عنها. وليس هو مرتفعًا حتى ينزل، أو ساميا حتى يتضع. وإنما كل ما أقصده من إنكار الذات يا أخي المحبوب هو أن تعرف ذاتك، فتدرك أنه لا قيمة لك علي الإطلاق. وإنما هو الله الذي يتحنن عليك فيهبك إن أحببته، شيئا من مجده، الذي لا تستحقه، لولا رحمته ولولا تواضعه هو وتنازله.

دعنا نتدارك إذن فنتأمل تلك الآية الجميلة التي تقول {أختار الله جُهَّال العالم ليخزي الحكماء. واحتار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدري وغير الموجود ليبطل الموجود لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه} {1كو1: 27- 29}.

فما معني هذا؟ ألا يصلح لملكوت الله إلا الجهال والضعفاء والمحتقرون؟! كلا فقد اختار الله قوما مثقفين من أمثله موسى وبولس وأرسانيوس، كما اختار القديسين الفلاسفة أثيناغوروس وبنتينوس وأوغسطينوس. واختار الله رجالا أقوياء مثل شمشون والقوي الأنبا موسى، واختار رجالا محترمين مثل داود الملك والأميرين مكسيموس ودوماديوس…

فكيف التوفيق بين الأمرين؟

ليس المقصود إذن أن الله لا يختار إلا الجهال والضعفاء والمحتقرين، بل لعل المقصود هو الله -تبارك اسمه- يختار الأشخاص الذين مهما بلغوا من علم أو قوة أو كرامة، يقفون أمامه كجهال وضعفاء محتقرين.

فهوذا موسى الذي تهذب بكل حكمة المصريين، لم يرسله الله عندما كان واثقا بنفسه، ومعتمدا علي قوته البشرية. ولكنه دعاه عندما وصل إلي الدرجة التي قال فيها {مَنْ أنا حتى أذهب إلي فرعون وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر.. لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك. بل أنا ثقيل الفم واللسان} {خر3: 11، 4: 10}.

وهذا هو بولس الذي درس الناموس وتعلم تحت قدمي غمالائيل، لم يرسله الله إلا عندما وصل إلي الحالة التي يستطيع أن يقول فيها: {لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء. أين الحكيم؟ أين الكاتب. أين مباحث هذا الدهر. ألم يجهل الله حكمة هذا العالم.. وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة} {1كو1: 19،2، 3، 4}.

وأرسانيوس لم يجعله الله أبا ومرشدًا، عندما كان معلما للأميرين أركاديوس وهونوريوس في قصر أبيهما الأمبراطور ثيئودسيوس. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). بل عندما تنقت روحه أصبح في إمكانه أن يقول عن نفسه: {أن أرسانيوس معلم  أولاد الملوك} الذي درس حكمة اليونان والرومان، لا يعرف الألفا فيتا التي يعرفها هذا المصري الأمي}.

هل تظن يا أخي العابد أنك ستبني ركنا في الكنيسة بعلمك وثقافتك؟! يا لك من مسكين. الحق أقول لك أن لم تنطلق من اعتمادك علي معرفتك فلن تصل إلي الله. ولن يبارك الله لك في خدمة لأنك إن نجحت فسوف ينسب الناس نجاحك إلي ما وهبه لك العالم من شهادات وإجازات علمية، وهكذا يسلب من الله مجده ويعطي للعالم. الله -يا أخي المتعلم- قادر في القرن العشرين أن يذهب إلى البحيرة من جديد، ويختار صيادًا جاهلًا لكي يقيمه رسولا وكاروزًا. فيعلم الناس خيرا منك. أن الله عندما شق البحر الأحمر لم يختر لذلك قضيبا من ذهب، وإنما عصا بسيطة كانت توجد ملايين من مثيلاتها في العالم.

فحاذر أن تظن في نفسك أنك شيء، أو أن تغتر بثقافة العالم. وحاذر -حتى في حياتك الروحية الخاصة- أن تعتمد علي معرفتك العالمية أو الدينية أو قراءاتك الروحية أو خبراتك القديمة. وإنما كلما ازددت علما، وكلما تعمقت في الروح، قف كل يوم أمام الله وأنت شاعر بجهلك وعجزك وأنت محتاج إليه ليرشدك، كمبتدئ، مهما كنت قديم الأيام. قف أمامه وأنت شاعر بحاجتك الماسة إليه ليحميك من أضعف الشياطين، ومن أبسط الخطايا في نظرك ومن أتفه الزلات أمام عينيك.

ليكن لك هذا الشعور. لأني رأيت كثيرين بعد أن قرأوا وكتبوا عن عمق الروحيات يسقطون خطايا المبتدئين.. وأقول لك هذا أيضًا خوفا من أن ثقتك بعلمك الروحي وخبرتك الروحية. تجعلك تعتمد علي ذراعك البشري، {وملعون من يتكل علي ذراع بشر}.

واعلم يا أخي الحبيب أن كل علم روحي أو عالمي لا يقودك إلي حياة الانسحاق وإلي الشعور بالجهل، هو علم باطل وخداع للنفس، بل هو ضربة من الشيطان يصرفك بها عن أن تسأل وتطلب وتقرع الباب.. فاشعر يا أخي بجهلك إذ يقول الكتاب: {أن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر، فليصر جاهلا لكي يصير حكيما} {1كو18:3}.

وكما أنه أمام الله يتساوى الحكيم والجاهل في أنهما كليهما جاهلان وأن موت هذا كموت ذاك، ونسمة واحدة تهب علي الاثنين، كذلك أمام الله يتساوى الضعيف والقوي لأنهما كليهما ضعيفان، إذ ليست هناك قوة لأحد في حضرة الله.

هل تعتقد يا صديقي أنك قوي؟ إذن فمن أين أتتك القوة؟ إنها ليست من ذاتك طبعًا لأنك تراب ورماد، بل عدم وفناء. وهي ليست من كائن آخر غير الله. لأنه – تبارك اسمه هو وحده القوي، ومنه تستمد كل قوة.

فهل قوتك أذن من الله؟ إن كان الأمر كذلك فلماذا تفتخر؟ ولماذا تتصلف؟ ولماذا تستخدم قوة الله في غير أعمال الله؟ أذن فأن افتخر أحد فليفتخر بالرب، لأنه -تعالي في مجده- مصدر كل شيء يدعو إلي الفخار، وان كنت أيها الإنسان الضعيف بطبيعتك قويا بالله، فقل أذن كما قال الطوباوي بولس {فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علي قوة المسيح. لذلك أسر في الضعفات.. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي} {2كو9:12،10}.

الشخص الذي يعتقد في نفسه أنه قوي لا يستخدمه الله. لأن الله يختار ضعفاء العالم ليخزي بهم الأقوياء، فحاذر من أن تثق بقوة مزعومة لك. لأن الخطية {طرحت كثيرين جرحي، وكل قتلاها أقوياء}. وإنما قل مع داود البار {ارحمني يا رب فإني ضعيف، اشفني يا رب فإن عظامي قد اضطربت، ونفسي قد انزعجت جدًا}. تأكد يا أخي من ضعفك، ليس لأني قلت هذا وإنما لأنها الحقيقة الواضحة. الم تسقط اليوم وتخطئ؟ ألم تخطئ أمس وقبلا من أمس؟ لست قويا أذن، بل ضعيفا ومثالا للضعف. وستظل كذلك حتى تعترف بضعفك. وتسرع وتثبت في الآب والآب فيك.

نصيحة أخري أهمس بها في أذنك: لا تجلس في خلوتك وتظن أنك أقوي من الناس، وتستعرض المشروعات العظيمة التي يمكنك القيام بها لو أعطيت لك سلطة، أو لو كنت في مكان الآخرين. أنك لست قويا يا أخي بهذا المقدار، وما هذه إلا أحلام اليقظة، أو لعله الغرور. أما أنت فضعيف، وربما لو كنت في مكان أولئك الخطاة الذين تنتقدهم لأخطأت أكثر منهم، ولأظهرت ضعفا أكثر من ضعفهم. إن كنت قد انتصرت في الماضي أو تنتصر الآن، فسبب ذلك هو وجود الله معك، وليس السبب أنك قوي. احتفظ إذن ببقاء الله معك عالما أنه لن يرضي بالبقاء طالما أنت تعبد ذاتك بدلا منه.

واحد من أثنين يعمل في الميدان: أما الله وأما أنت.أن كنت تعتقد أن الله هو الذي يعمل، وأنك لا شيء إلي جواره، بل أنك متفرج تنظر إلي أعمال الله في إعجاب، أن كنت تعتقد هذا فحسنا تفعل. أما أن كنت أنت الذي تعمل. وأن لك القوة ما يكفل لك ذلك، فثق أن كل ما تعمله باطل هو، وستفشل فيه.

لست أقول هذا عن خدماتك وأعمالك الخارجية، وإنما عن صميم حياتك الروحية أيضًا، إن اعتقدت أنك أنت الذي تجاهد لترث الحياة الأبدية، فسوف تفشل في جهادك. وإن اعتقدت أن خطية ما لم يعد لها سلطان عليك، فقد تسقط فيها ولو بعد حين، ويكون سقوطك عظيمًا…

ولكن الحل الصحيح هو أن تشعر بضعفك، في أرض تنبت شوكا وحسكًا، أن تشعر بضعفك، أمام كل تجربة وكل خطية قائلًا مع المرنم: {لولا أن الرب كان معنا ليقل إسرائيل، لولا أن الرب كان معنا حين قام الناس علينا لابتلعونا ونحن أحياء، عند سخط غضبهم علينا} {مز123} وهكذا تصرخ إلي الله، ثم تنظر كيف يحارب عنك وينتصر فتمجد الله وليس نفسك، لأن النصرة كانت من عنده.

وأخيرًا، اشعر أن هناك أشياء كثيرة لنتحدث عنها معا في هذا الموضوع، فاذكرني يا أخي الحبيب في صلاتك حتى نلتقي مرة أخري ونكمل تأملنا، أن أحبت نعمة الرب وعشنا….

وفرك النائم عينيه في خجل ليتحقق ما إذا كان صاحيًا أم نائمًا، بينما استمر الملاك في حديثه:{إن روحك حبيسة تود أن تنطلق ولا تستطيع، لأنها مقيدة بقيود هذا الإنسان.. أنه يعطيك من المعلومات ما يريدك هو أن تعلمه: يعلن لك ما يشاء من الحقائق، ويحبس عنك ما يشاء. وحتى المعلومات التي عندك من ذاتك، والتي تكتسبها عن غير طريقه، خاضعة هي أيضًا لمراجعته. أنك قد فقدت شخصيتك تمامًا. وأصبحت لا تتصرف من تلقاء نفسك. كلما حاقت بك مشكلة تستصرخ به لينقذك. وكلما عرض لك أمر من الأمور لا تحاول أن تبت فيه بحل حتى يجيء {سيدك} ويحله. وان تصرفت في الأمر يستطيع أن يلغي تصرفك متى يشاء وكيف يشاء دون أن تعترض. إن أقصى ما يمكن أن تصل إليه في حياتك هو أن تصبح صورة باهتة من هذا الإنسان. شخصيتك التي خلقك الله بها قد ضاعت. وشخصيته هو لن تستطيع أن تصل إليها تماما، لأن الظروف الروحية والعقلية والاجتماعية التي كونتها هي غير ظروفك. وهكذا أراك تتأرجح في وضع غير مستقر بين الحالتين}.

واستمع ذلك النائم إلي هذه العبارات وهو يشعر أنها تمس صميم نفسه، بل أنه فيما بينه وبين نفسه يحس أنه قد أصبح ضيق الصدر بسلطان ذلك {السيد}.

وهكذا وجد الشجاعة في أن يطلب إلي الملاك أن يوجد له حلا فقال {ولكن أستطيع يا سيدي الملاك أن أناقش معلمي}؟ فأجاب الملاك: {أقول لك -والقياس مع الفارق- أن الله يحب أن يكون أولاده أقوياء الشخصية حتى أنه كان يسمح لهم أن يناقشوه}. أنظر إلي أرميا وهو يقول {أبر أنت يا رب من أن أخاصمك ولكني أكلمك من جهة أحكامك ، لماذا تنجح طريق الأشرار، اطمأن كل الغادرين غدرًا} {أر1:12}. واستمع إلي إبراهيم وهو يناقش الله تمجد أسمه ويقول له {حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر.. أديان الأرض كلها لا يصنع عدلا؟ {تك25:18}. وانتقل معي أيضًا إلي موسى وهو يكلم خالقه فوق الجبل بنفس الأسلوب فيقول له: {أرجع عن حمو غضبك وأندم عن الشر} {12:32}.

فقال النائم للملاك {والآن ماذا تريد يا سيدي الملاك أن أفعل؟} فأجابه الملاك: {أريد ألا تلقي قيادتك إلي إنسان معين، وإنما استمع إلي الكثيرين، واقرأ للكثيرين، واستعرض ما تشاء من الآراء. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). وليكن لك روح الإفراز، فتميز الرأي السليم من الرأي الخاطئ، وتعتنق من كل ذلك ما يناسب حالتك أنت بالذات من جهة تكوينك الروحي والعقلي، وما يناسب ظروفك الاجتماعية والعملية، ويتناسب أيضًا مع سنك، عالما أن هناك طرقا كثيرة تؤدي إلي الله، وقد يكون الطريق الذي صلح لغيرك غير الطريق الذي يصلح لك أنت بالذات، الطريق الذي أختاره لك الله -وليس الناس- دون غيره من الطرق.

… ثم استيقظ النائم من نومه، ليري نفسه إنسانًا جديدًا قد انطلقت روحه، حرة من كل قيد، تبحث عن الحق أينما وجد ولا تؤمن بعبادة الأشخاص…

 

١٥- ذاتك ومديح الناس:

Selfكلمتك في المرات السابقة عن إنكار الذات، وما يزال هناك كثير أقواله لك في هذا الموضوع حتى نصل سويا إلي انطلاق الروح..

أتريد يا أخي أن تصل إلي الله؟ أتحب أن تردد عبارة الطوباوي بولس {لي اشتهاء أن انطلق وأكون مع المسيح فذاك أفضل جدًا} إذن فانطلق أولا من ذاتك، من ذاتك التي تعبدها بدلا من الله وتحاول باستمرار أن تراها ممجده معظمه أمام الآخرين.

هل يمجدك العالم يا أخي الحبيب، وهل تقبل منه هذا التمجيد؟ يا لك من مسكين.. ألست تعلم أن المجد لله وحده؟ لأنه خالق الكل ومصدر جميع الكائنات ولأنه الوحيد الواجب الوجود، والأزلي، والقادر علي كل شيء، والمالئ كل مكان.. ألست تعلم أذن أنك أن مجدت ذاتك، أو مجدك الناس فإنما تسلب صفة من صفات الله. وتنسبها إلي نفسك!! أهي التجربة التي حاربت أباك آدم، إذ لم يكتف بما وهبه الله من نعيم، بل أراد أن يكبر حتى يصير مثل الله؟ومن أنت يا أخي حتى تتمجد؟! هل للتراب مجد أو للرماد كرامة أو للعدم احترام وهيبة؟! ثم ألست خاطئًا مثلي، وان كان الله قد سترك وأخفي عيوبك عن الناس – فهل للخاطئ مجد وهل للضعيف كرامة؟ إذن لماذا تمجد نفسك، وأنت تعرف حقيقتك بكل ما فيها من خطايا ونقائص وعيوب…

هل تفعل هذا لأن الناس لم يعرفوا حقيقتك بعد، ولم يعلموا كل شيء من ماضيك، ولم يكتشفوا كل ضعفاتك، ولم تظهر أمامهم أخطاؤك؟ لماذا إذن تخدعهم وأنت تعلم؟ بل لماذا تخدع نفسك والخداع لا يفيدك شيئًا؟؟

ألهذا الحد تستغل ستر الله وكتمانه حالتك عن الناس.. أتوده إذن أن يعلن للآخرين أفكارك وأحاسيسك ورغباتك المكبوتة…!!

ثم لماذا عن مجد زائل، لا يصحبك بعد الموت، ولا يقف معك في يوم الدينونة. أمام الديان العادل، الذي لا يتأثر في حكمه عليك برأي الناس فيك، لأن كل شيء مستور، هو عريان قدامه..

ألا يزال عزيز عندك مدح الناس؟ ألست تعرف أن مديحهم زائف: لأنه يكون أحيانا على سبيل المجاملة أو التشجيع أو التملق أو الخجل كما أنهم حتى إن صدقوا وأخلصوا فهم إنما يحكمون حسب الظاهر وليس فيهم من يقرأ فكرك، أو من يعرف نياتك، أو يدخل إلي قلبك ليفحص ما فيه…

يا أخي الحبيب: أنني لا اشك قد أثقلت عليك بأفكار مجتمعة فهل تريد أن أقص عليك قصة، لتكن أذن قصة نبوخذ نصر {دا4: 29-33}: هل تعرف كيف نسب لنفسه مجدًا زائلًا؟ وهل تعرف كيف كانت نهايته؟ إذن ليته يكون درسًا لك…

أتراك تضايقت؟ سامح ضعفي، وأسلوبي الخشن في التعبير. ولكن أهي عادتك باستمرار أن تتضايق من شخص يكلمك بصراحة؟ لا يتملقك، ولا يستعمل معك ألفاظ التفخيم التي يستعملها الناس.. لماذا؟ الأولي بك يا أخي العزيز أن تحب هذا الأسلوب، لأنه يوقفك أمام حقيقتك، وما أشد احتياجك إلى الوقت أمام هذه الحقيقة، حتى تعرف نفسك، تلك المعرفة اللازمة لخلاصك.

ولكن دعنا نناقش الأمر معا. لماذا تريد أن تظهر عظيما أمام الآخرين؟ أهو مركب النقص؟ هل تشعر في ذاتك أنك في درجة صغيرة. وتريد أن تعوض ذلك بأن تكتسب مدح الناس بحرارة عن نفسك حتى لا تظهر أمامهم معيبا، وأن وقفوا منك محايدين لا مدح ولا مهاجمة، لم يعجبك هذا أيضًا وأخذت تتسول مدحهم بأن تحدثهم عن فضائلك حتى يعجبوا بك فيمدحونك..

أهذه هي الحقيقة؟ أن كانت كذلك، فلنحاول مناقشتها معًا:

حسن يا أخي أن تشعر بأنك ناقص وخاطئ وضعيف وأقل من الناس جميعًا، ولكن علاج هذا النقص لا يأتي بإضافة نقص جديد إليه عن طريق محبة مدح الناس، وإنما يأتي بتكميل الذات وإصلاح أمرها.

لماذا يهمك رأي الناس فيك ومدحهم إياك؟ ألعلك ستدخل ملكوت الله ان رشحك الناس لهذا؟! إذن فأعلم أن كثيرًا جدًا من الذين يمدحهم الناس سيلقون في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت..

{وويل لكم أن قال فيكم الناس حسنا} {لو26:6}.

مدح الناس يا صديقي وقتي وزائل. وهم لا يثبتون علي حال. الذين هتفوا للسيد المسيح كملك. صرخوا أيضًا قائلين {اصلبه اصلبه} ومدح الناس أيضًا زائف لأنهم لا يعرفون الحقيقة تماما.

إليك سؤال يهمني أن تجيب عليه أجابة صريحة:

ماذا يكون شعورك عندما يمدحك الناس وأنت تعرف عن خفاياك ما يخجل؟

هل تنسي أثناء مدحهم تلك الخطايا التي لو عرفوها عنك لطردوك خارج المجمع أم أنت تتناساها؟ أم تعتبرها مكدرات لا يجب أن تظهر أثناء نشوتك بمديح الآخرين؟ إذن فأنت يهمك فقط خارج الكأس، يهمك أن تكون كالقبور المبيضة من الخارج ومن الداخل نتنة؟!

إذن فأنت تهمك الحياة الأرضية فقط ولا تأبه للحياة الآتية. صارح نفسك يا أخي المحبوب بحقيقية مشاعرك، واعترف بهذا بينك وبين نفسك أولًا، ثم اسكب هذه الذات أمام أب اعترافك، أسكبها في بكاء وأنين وألم مر.

وإليك ما يجب أن تشعر به عندما يمدحك الناس:

1) اشعر أولًا أنك ربما تكون مرائيا، تظهر للناس غير ما تبطن. قل لنفسك في صراحة {أنني شخص خاطئ دنس، وعندما أجلس إلي أب اعترافي أكاد أذوب خجلا وعندما أحاسب نفسي علي خطاياي تنسحق ندما وشعورا بالخسة والحقارة، وتصغر ذاتي أمام عيني، وعندما أقف للصلاة أشعر أنني غير مستحق أن أرفع نظري إلي فوق.. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). فلماذا إذن يمدحني الناس. ألعلني مرائي؟ ألعلني ذو وجهين؟: أظهر أمام الناس بشخصية، وحقيقتي شخصية أخري؟ هل أنا ممثل؟ ربما أكون…

2) أشعر أن مدح الناس ربما يجعلك تستوفي أجرك علي الأرض فلا تنال أجرًا في السماء، وهكذا يضيع إكليلك بثمن بخس. إن مدحك الناس فخير لك أن تحزن. أحزن علي إكليلك الذي يوشك أن يضيع. وهذا الحزن المقدس يصفي نفسك ويجعل روحك تنطلق بالأكثر.

3) عند مدح الناس لك أشعر أنك ربما تكون مختلسا: قد سلبت مجد الله ونسبته إلي نفسك. لقد قال السيد المسيح: {لكي يروا أعمالكم الحسنة، فيمجدوا أباكم الذي في السموات {مت16:5}. فإن كان المجد قد رجع إليك أنت بدلا من الآب، فربما يكون هذا اختلاسًا وأنت لا تدري، أو وأنت تدري. عندما تصلي وتقول: {لأن لك الملك والقوة المجد}. أنب نفسك التي تريد أن يكون المجد لها فتنافس الله في قوته.{ليس لنا يا رب ليس لنا، ولكن لاسمك القدوس أعط مجدًا} {مز1:115}.

4) عندما يمدحك الناس أنكر ذاتك، ووجه أنظارهم إلي الله، في غير رياء وفي غير تظاهر بالتواضع، أذكر لهم انك خاطئ. وضعيف وأن الله هو الذي فعل الأمر الذي يستحق المديح.

وكما توجه هذا الكلام إلي الآخرين، توجه به أيضًا إلي نفسك وأقتنع به حتى لا تعود فتنتفخ.

5) إذا وجدت البعض قد بدأ قصة أو حديثا أو خبرًا سينتهي بمدحك، حاول أن تغير مجري الحديث أو علي الأقل لا تُسَرّ بالمديح، وانسبه إلي الله عن اقتناع.

6) عندما يمدحك الناس تذكر هاتين الآيتين الجميلتين {مجدًا من الناس لست أقبل} {يو41:5}.{مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك..} {يو5:17}. احفظ هاتين ورددهما كثيرًا في فكرك.

7) وعندما يمدحك الناس تذكر خطاياك، واترك ضميرك يؤنبك حتى يكون هناك توازن بين داخلك، وبين مدح الناس من الخارج.

وأخيرًا، أن كان هذا هو المطلوب منك عندما يسعى إليك مدح الناس فبديهي جدًا أنك لا تسعي بنفسك إلي طلب هذا المديح أو استجدائه مما سنرجع إليه في المقال القادم أن شاء الرب وعشنا. صلي من أجلي.

 

١٦- ذاتك وإساءات الناس:

Man-Sad ان لم تنطلق من ذاتك يا أخي الحبيب من ذاتك هذه التي تعبدها من دون الله، والتي تكبرها وتفخمها أمام الناس، فلن تصل أبدًا إلي سمو انطلاق الروح.

لعلك تحب أحيانا أن يمدحك الناس، ولقد تفاهمنا في مقال سابق عما يحسن بك فعله عندما يمدحك الآخرون. أما في جلستنا الهادئة هذه، فأود أن أسألك سؤالًا؟

ما هو شعورك وتصرفك عندما يسئ إليك الغير أو يظن بك الظنون؟

ربما تفكر في ذاتك أنك أُهِنْت، وربما تفكر في كرامتك وهيبتك والاحترام الواجب لك: فتغضب وتثور، وتثأر لذاتك، وتدافع عن نفسك. لست أنكر عليك هذا، فأنا إنسان في الجسد مثلك جربت هذه المشاعر جميعا، أو جربت بهذه المشاعر جميعًا ولكن دعنا نناقش الأمر معا.ماذا يفيدك الغضب؟ أنه يعكر دمك. ويتلف أعصابك وأخطر من ذلك كله أن الغضب يفقدك سلام القلب وراحته. ألم تسمع معلمنا يعقوب الرسول يقول: {أن غضب الإنسان لا يصنع بر الله} {يو20:1}.، وغضبك من أجل ذاتك هو لا شك غضب إنسان كالذي يقصده معلمنا يعقوب. تقول أن هذا الغضب ينفس عنك، ويفرج عن الثورة المكبوتة في داخلك. ولكن لماذا تختزن في داخلك ثورة مكبوتة تحتاج إلي تنفيس؟ السبب في ذلك واضح طبعًا، هو أنك تفكر كثيرا في ذاتك! انطلق يا أخي الحبيب من هذه الذات وأنت تستريح.

إن أهنت فلا تفكر في ذاتك انك أهنت. وإنما في ذلك الذي أهانك، أنه أخوك. وأنت كشخص روحي ممتلئ بالمحبة، عليك أن تفكر في هذا الأخ الذي أخطأ: ماذا تفعل لأجله. أنك لا تريد طبعًا أن تنحدر نفسه الغالية إلي الجحيم، ولا تريد أن تقف إهانته لك عقبة في طريق خلاصه. لذلك فأنت تطلب إلي الله ألا يقيم له هذه الخطية ولا يعاقبه عليها، ثم أنت أيضًا تصلي من أجله أن يخلصه الله من الخطية ذاتها فلا يعود إلي اقترافها معك أو مع غيرك.

وعندما تفكر في أخيك هذا الذي أهانك، قد تفكر في السبب الذي جعله يفعل ذلك. ربما يكون مريضًا أعصابه متلفة، أو متعبا عقله مجهد، أو قواه منهكة، أو مرهقا بمشاكل اجتماعية أو دراسية، أو مالية.. فأنت تفكر فيما يمكن أن تفعله لأجله، وهكذا قد تخطر ببالك رحله أو نزهة لطيفة تدبرها له، أو قد تساهم بجهد في التخفيف أو الترفيه عنه. وأن لم تستطيع شيئًا من هذا كله فعلي الأقل ترثي له، وتطلب له من الله معونة خاصة.

إن الناس يا أخي الحبيب لم يخلقوا أشرارًا، لأن الله بعدما خلق الإنسان {نظر إلي كل ما فعله فإذا هو حسن جدًا} وأما الشر فإنه يأتي إلي الناس من الخارج دخيلًا عليهم..

وهذا الشخص الذي أهانك، ربما تكون لإهانته لك أسباب أخري. وربما يكون قد أساء فهمك. ومثل ذلك تفاهم معه وأقنعه في وداعة ومحبة. ولكن هناك نوعًا من الناس يهين الآخرين حبا في أهانتهم مستغلًا تسامحهم ليتخذهم مجالا للفكاهة والتندر. مثل هذا الصنف أما أن تبتعد عنه، وأما أن تكلمه بلهجة حاسمة وحازمة مؤدبة مظهرًا له خطأه، ومانعا إياه من تكراره. ولتفعل هذا ليس علي سبيل الثأر للنفس، أو الاحتفاظ بكرامة ذاتية، وإنما حبا في ذلك المخطئ حتى لا تترك له فرصة أخري للخطأ، ومجالا يسقط فيه ويهلك بذلك نفسه..

وشتان بين توبيخك لخاطئ بغرض انتقامي، توبيخا يجعله يثور عليك ويحتك بل، وبين تأنيب المحبة الحازم الهادئ الذي يشعر فيه الشخص أن مؤنبه يحبه..

هذا كله عن موقفك من جهة الشخص الذي تشعر أنه أهانك، ولكن اسمح لي أن أدخل قليلا إلي أعماق نفسك لأناقش شعورك الباطن بينك وبين نفسك.

1) لماذا تحسب الكلام الذي يقوله غيرك أنه إهانة، أو انه شتيمة؟ لماذا لا تكون تلك التي تحسبها أهانه هي كلمة صريحة لازمة لإصلاح نفسك؟ وان كنت قد تضايقت منها فذلك لأنك تحب المديح، وتريد أن يقول فيك جميع الناس حسنًا. افرح يا أخي بانتقاد الناس وتأنيبهم، فان ذلك صالح لك وينقيك ويفيدك في حياتك الأخرى. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). إذا انتقدك شخص فأولي بك أن تشكره فربما يكون قد أرسل هذا الإنسان ليرشدك ويظهر لك أخطاك حتى تتركه.

2) ربما تكون تلك الإهانات تأديبًا لك من الله علي خطايا أخري اقترفتها في ماض قريب أو ماضي بعيد. وعندما سمع داؤد النبي إهانة كهذه قال في انسحاق: {الله قال لهذا الإنسان اشتم داود} {2صم10:16}. عندما يهينك غيرك يا أخي الحبيب تذكر خطاياك الماضية، واعرف أنك لست بالشخص الخالص النقاوة الذي يسمو عن التوبيخ..

3) في بعض الأحيان يكون الله قد عمل عملا ناجحا عن طريقك، فاتخذت أنت هذا النجاح سلاحًا تنتفخ به، وتحارب نفسك بالبر الذاتي، وخشى الله عليك من السقوط عن طريق الكبرياء فسمح أن تُهان، حتى يوجد توازنا بين مشاعرك، ويخفف شيئًا من كبرياءك. كثيرون من الذين يهانون متكبرون، أما الودعاء فيرفعهم الله من المزبلة ليجلسهم مع رؤساء شعبه {مز112}.

4) ربما تكون قد أعثرت غيرك بتصرفك وأنت لا تدري، وكان هذا هو سبب أهانتك. لذلك يحسن أن تدرس وجهة نظر من أهانك، لعله علي حق.

5) قد تكون هذه الإهانة درسا لك في المحبة والاحتمال. قال لي أحد الآباء الروحيين عن راهب اعتزل ولم يختلط بالأخوة في المجمع {إن فترة الوجود في المجمع لازمة للراهب. لأنه أن لم يستطع أن يحتمل مشاكسات الأخوة في المجمع، فكيف يستطيع أن يحتمل محاربات الشياطين في الوحدة كما قال مار اسحق!!

6) ماذا يضيرك عندما يحكم عليك إنسان حكما ظالما. أو عندما يظن فيك أنك مخطئ؟ ألعل هذا يعوقك  عن ملكوت الله، أم أن الله سيعتمد أحكام الناس؟

7) أم أنك تحب المديح والتطويب من بشر هم تراب مثلك؟ سيدك يا صديقي {ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه} {اش7:53}. {أحصى مع أثمة} أما هو فقبل هذا الصليب..

8) أخيرًا يا أخي الحبيب، إذا أهنت فتضايقت، وكبرت عليك الإهانة علي الرغم من أنك خاطئ مثلي، فتذكر كيف أننا نهين الله فيصبر علينا ويحبنا ويقبلنا إليه! ما أعظم إلهنا الحنون ليس له شبيه بين الآلهة.

 

١٧- انطلق من ذاتك:

Manان كنت ما تزال تهتم بفكرة الناس عنك، وتتخذ كافة الأسباب ليحسن رأيهم فيك فمن الصعب أن تصل إلي سمو انطلاق الروح..

في بعض الأحيان لا يمدحك الناس،أو يكون مديحهم لك أقل من مديحهم لغيرك. فبدلا من أن تسر وتبتهج، لأن شيطان المجد الباطل نائم عنك ولو إلي حين، أراك تسعي إلي أتعاب نفسك فتجلس إلي الناس تتسوَّل مديحهم بطريقة لا تتفق مع كرامتك كابن لله، وهكذا تحدثهم عن نفسك..

فهل تسمح لي يا أخي الحبيب أن أناقش معك الأمر بنفس ما اعتدناه قبلا من صراحة:

1) لماذا تحدث الغير عن نفسك؟ أتريدهم أن يعجبوا بك؟ إليك إذن هذا السؤال الصريح:

هل أنت في أعماق ذاتك معجب بنفسك؟ لا شك أنك في حقيقتك متضايق من نقائص كثيرة محيطة بك، لماذا تريد أذن أن يمجدوا شخصية أنت نفسك غير مقتنع بتمجيدها؟!

2) لو اعتمدنا فرضا مبدأ الحديث عن النفس، فهل أنت تعطي صورة صادقة حقيقية عن نفسك؟ أم أنت تذكر للناس النواحي البيضاء فقط، وتترك النقط البشعة الحقيرة التي تنفرهم منك؟ ألا تعرف يا صديقي أن أنصاف الحقائق ليست كلها حقائق؟ ألست تري إذن أن في حديثك عن نفسك شيئًا من الخداع والكذب وتقديم وجه واحد من صورة لها عيوبها – تلك العيوب التي تعرفها أنت جيدًا والتي يعرفها معك أبوك الروحي؟

 

١٨- ذاتك أمام الله:

CopticOrthodoxMonkومرة أخري يا أخي الحبيب أريد أن أحدثك عن ذاتك، ذاتك التي تحبها وتثق بها أكثر من الله أحيانا. أن لم تنكر هذه الذات فهيهات أن تتمتع بجمال انطلاق الروح.

إن كانت المحبة هي الوصية الأولي في المسيحية، فان إنكار الذات هو الطريق الأول إلي المحبة.

أنك لا تستطيع مطلقًا أن تحب الله والناس، طالما أنت تهتم بذاتك ولذاتك. لذلك عليك أن تنطلق أولًا من هذه الذات، فقد قال السيد له المجد: من أراد أن يتبعني فلينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبعني (أم38:8).

وهكذا جعل إنكار الذات أول كل شيء.

ليكن هدفك إذن يا أخي الحبيب هو أخفاء ذاتك في الله بحيث لا يكون لك وجود مستقِل عنه، لتقل كما قال معلمنا بولس الرسول: {لكي أحيا لا أنا بل المسيح يحيا في} {غل20:2}.أن أردت أن يكون لك مجد، فليكن مجدك من الله، وعند الله كرر هذه الآية دائما: {مجدني أنت أيها الآب عن ذاتك} {يو5:17}. لا تبحث عن مجدك في العالميات {فالعالم يبيد وشهوته معه} أما أنت فأبن الله، وأما أنت {فهيكل الله وروح الله حال فيك}، لست من دم ولا مشيئة جسد ولا مشيئة رجل بل من الله ولدت، وروحك نفخة من الله، نسمة من فيه.. وأنت في كل قداس تتناول جسد الله ودمه، والله يريدك أن تتحد به، تثبت فيه، فلماذا إذن تترك هذا المجد العظيم كله، وتبحث عن مجدك في التراب؟

لماذا يهمك رأي الناس فيك، فتسر بمديحهم. وتدافع عن نفسك أن هاجموك، وتتسوَّل رضاهم بحديثك عن نفسك؟ أما زلت يا أخي تحب التراب ومجد التراب؟ أما زالت نفسك تمثالا تقدم له الذبائح والقرابين – أنكر ذاتك، وركز محبتك كلها في الله وحده. قل كما قال يوحنا المعمدان {ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص، {يو30:3}. أتتهامس في تذمر وتقول {لا أريد أن أنقص}. أعلم إذن أنك سوف لا تنقص إلا الشوائب التي تعكر نقاوة عنصرك، سوف لا تنقص ألا المجد العالمي، ذلك التراب الذي علق بك، والذي ينبغي أن تنقضه لترجع نظيفًا كما خلقك الله وكما يريدك دائما أن تكون.

هذا من جهة علاقتك بالناس، ولكني أريد أن أخاطبك أيضًا من جهة نظرتك إلي نفسك وموقفك أمام الله. إن أردت لروحك أن تنطلق فقف أمام الله كلا شيء، أنكر علمك وحكمتك، أنكر ذكاءك وخبرتك، وقف أمام الله كجاهل لا تعرف شيئًا. لست أقصد أن تدعي الجهل أو تتظاهر به، فالله لا ينخدع ولا يحب المدعين، إنما اعتقد يقينا -في تصريف كل أمر- أن ذاتك ينبغي أن تختفي ليظهر المسيح، ليس إمام الناس فحسب، وإنما أمام نفسك أيضًا. قل له يا رب أني أحكم حسب الظاهر، وقل له يا ربي أني ضعيف لا أستطيع مقاومة الشياطين، قل له أيضًا أن النتائج في يده وأطلب منه أن يتدخل فيرشدك، أو يسكن فيك ويعمل بك. وعندما يأتي الناس ليمدحوك علي فعلك، لا تفتخر ولا تتظاهر بالتواضع، إنما أتخذها فرصة أن تجلس معهم وترنم ذلك المزمور الخالد {لولا أن الرب كان معنا، فليقل إسرائيل لولا أن الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتلعونا ونحن أحياء.. إذن لغرقنا في الماء وجازت نفوسنا السيل} {مز123}.

وعندما تعرض لك خطية، لا تثق بقوة روحك، ولا بماضيك في الانتصار {فقد طرحت كثيرين جرحي وكل قتلاها أقوياء} {أم26:7}. إنما اعتقد أن النصرة من عند الله، وإن تخلي عنك في أبسط الخطايا فسوف تشبه أهل سدوم. أنما رتل ذلك المزمور الجميل. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). {وأنت عرفت سبيلي. في الطريق التي أسلك اخفوا لي. نظرت إلي اليمين وأبصرت وليس من يعرفني. ضاع المهرب مني وليس من يسأل عن نفسي. فصرخت إليك يا رب وقلت أنت هو ملجأي ورجائي في أرض الأحياء.. نجني من مضطهدي لأنهم قد اعتزوا أكثر مني} {مز141}.

يا أخي الحبيب. أنك لست شيئًا، فاعترف بهذا أمام الله وأمام نفسك،؟ وكلما فكرت أنك تستطيع عمل شيء، ارجع إلي ذاتك مرة أخري، وقل: من أنا يا رب حتى أقف إمام فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر!{خر11:3} فإن أقنعك الله بأنه سيكون لك فما، وأنه سيتكلم علي لسانك، وأنك سوف لا تكون إلا أداة، حينئذ استمر في حياتك. إن سرت في وادي ظل الموت فسوف لا تخاف شرا، وان قام عليك جيش ففي ذلك ستكون مطمئنا. حينئذ اذكرني أنا التراب النجس، لكي نتقابل معا. هناك…

3) أنك تعرف بلا شك أن حديثك عن {فضائلك} يضيع عليك أجرك. ولست أشك أنك قرأت العظة علي الجبل وسمعت فيها {لا تعرف شمالك ما تفعله يمينك} {فأبوك الذي يري في الخفاء هو يجازيك علانية}.. أنني مشفق عليك يا أخي الحبيب، تجاهد طويلا في سبيل فضيلة معينة، وفي لحظة طيش، من لحظات البر الذاتي اللعين، يأتي الشيطان ويسلب كل جهادك منك، فإذا تعبك كله قد ضاع باطلًا.

كلما أراك تتحدث عن نفسك، يُخَيَّل إليَّ أنك شخص زرعت زرعا، فلما أنماه الله وأتي ثمره، بدلا من أن تحصده وتفرح به أشعلت فيه النار، أو تركت الشيطان يحصده نيابة عنك! يا صديقي العزيز، كلما أحسست رغبة في التحدث عن نفسك، دع ذلك القول الإلهي يرِن في أذنيك {الحق أقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم} {مت2:6}.

4) هناك ضرر آخر من حديثك عن نفسك ربما توضحه لك الحادثة الآتية: كنت في أحدي المناسبات أتكلم في حماسة وإعجاب عن شخص مبارك أحبه وأقدره، فقاطعني أحد أساتذتي الروحيين قائلا: “أرجوك، لا تكمل هذا الكلام. أنك بهذا الحديث تجمع الشياطين حوله لتحاربه. أتركه يعمل في هدوء. أنه ما يزال مبتدئا وفي حاجة إلي صلوات كثيرة”. فسكتّ وقد شعرت فعلا أنني أخطأت في حق هذا الإنسان. الشياطين لا تطيق أن تسمع عن أعمال طيبة لإنسان. أن أتخذك الله وسيلة لعمل مَجيد، فليكن ذلك سرا بينك وبين الله. لا تتحدث عن هذا العمل لئلا تتعرض لحسد الشياطين وقتالهم. ولا يضيع أجرك فحسب، وإنما قد تتعرض لحرب قاسية لا تعرف نتائجها.

5) أرأيت إذن بعضا من الضرر الذي يحيق بمن يتحدث عن نفسه؟ أتستطيع أن تدلني -في مقابل ذلك- عن فائدة واحدة تجنبها من مديحك لذاتك؟ لست أقصد تلك النزوة الحسية الخاطئة التي يشعر بها كل من يلمح نظرات الإعجاب موجهة إليه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). فهذه في حد ذاتها خطيئة تحتاج إلي علاج!!

هناك فائدة حقيقية أعرضها عليك: أن ألح عليك الحديث عن نفسك إلحاحًا لم تستطع له مقاومة، فحدث الناس عن ضعفك وعجزك، حدثهم عن نفسك الساقطة التي لولا معونة الله لأشبهت أهل سدوم، واطلب إليهم بإلحاح أن يصلوا من أجلك حتى يفتقدك الله برحمته.

6) كلمة صريحة أخري. ترددت طويلا قبل أن أهمس بها في أذنك، وهي أنه حتى الناس أنفسهم يشمئزون أحيانا ممن يتحدث كثيرًا عن نفسه. أنهم يسمونه أحيانا {المنتفخ} أو {المغرور}. وهكذا لا يكسب مثل هذا المادح لذاته سماءً ولا أرضًا.

7) أخيرًا فإن تلك الأعمال التي تحاربك بالبر الذاتي ليست كلها من صنعك: هناك الظروف المحيطة، والدور الذي قام به الآخرون، والإمكانيات التي منحت لك من فوق. إنها تكون مبالغة بلا شك أن تنسب كل هذا إلى نفسك فقط ناسيا عمل الله فيك.

أتراني ضايقتك بصراحتي يا أخي الحبيب؟ سامح ضعفي مصليًا من أجلي.

 

١٩- انطلق من رغباتك الأرضية:

Artworkهل تعرف من أي شيء يجب أن تهرب؟

أهرب من الأغراض، من الآمال، من الرغبات اهرب من كل أولئك، أن كنت تود حقا أن تصل إلي انطلاق الروح.

اسمح لي يا أخي الحبيب أن أدخل قليلًا إلي قلبك، وأتحدث إليك في صراحة. أن لك آمالا عرضة تشغلك كثيرًا، وتحتل جانبا من قلبك بل هي تحتل خيالك أيضًا فتجلس في وحدتك وتحلم بها أحلام اليقظة، تأوي إلي فراشك فتري هذه الآمال في نومك. لك أهداف أنت أدري الناس بها، ولست مستطيعًا أن تنكرها. أنك تود أن تكون شيئًا هاما، تود أن يعرفك الناس، ويبجلوك. لك آمال في الشهرة والصيت، ولك آمال في السيطرة والنفوذ، ولك رغبات في المال، وفي المركز الاجتماعي، وفي العلم، وفي الألقاب، وفي المستقبل، وفي المظاهر والسمعة. ولك رغبات في المسكن والمأكل والملبس. ولذات الجسد المنوعة. إنك لا تعيش في العالم بل العالم هو الذي يعيش فيك، ويستولي علي قلبك وفكرك وخيالك ومشيئتك أيضًا. أما روحك التي تعيش حبيسة في هذا كله فأنها تود الانطلاق من رغبات جسدك، الجسد الذي {يشتهي ضد الروح}.انك يا أخي الحبيب تشقي بهذه الآمال والأغراض، فهي لا تتحقق جميعها، ولذلك فأنت غير راض. انك تشتاق وتشقي في اشتياقك ولذلك فأنت تعد العدة، وتلتمس الوسائل: تفكر، وتقابل وتكتب، وتسير وتذهب، وتسعي وتتعب في سعيك ثم أنت تجلس وتنتظر، وقد يضيق صدرك، وتمل الصبر والترجي، ويدركك اليأس أو القلق أو خوف الفشل، فتشفي بانتظارك. وقد ينتهي السعي والتعب إلي لا شيء وتحرم من رغبتك التي تودها فتشقي بالحرمان. وأخطر من هذا كله، فإن آمالك وأغراضك قد تجنح بك عن طريق الصواب فتتعلم بسببها الخداع، أو اللف والدوران، أو التزلف والتملق، أو الكذب، أو ما هو أبشع من هذا.. كما قال أحد الحكماء {لابد أن ينحدر المرء يومًا للنفاق، أن كان في نفسه شيء يود أن يخفيه}..

أنك متعب، وأنا أعرف هذا وأشفق عليك في تعبك. فإلي متى تعيش في جحيم الآمال! والعجيب في رغباتك الترابية هذه أنها تشقيك أيضًا حتى إذا تحققت. فرغبتك عندما تتحقق تتلذذ بها وتقودك اللذة إلي طلب المزيد. وهكذا كما قال السيد المسيح: {من يشرب من هذا الماء يعطش} {يو13:4}. وعندما يعطش سيسعى إلي الماء مرة أخري ليشرب، وكلما يشرب يزداد عطشًا، وكلما يزداد عطشًا، يزداد اشتياقًا إلي هذا الماء.

لذلك يا أخي الحبيب أود أن أناقش معك الأمر في هدوء لماذا تتمسك برغبات معينة في العالم، والعالم يبيد وشهوته معه. أنك غريب مثلي علي الأرض، وستأتي ساعة تترك فيها هذا العالم وتترك فيه كل ما أخذته منه. عريانا خرجت من بطن أمك وعريانا تعود إلي هناك. ستترك رغمًا عنك كل ما في العالم من عظمة ومال وشهوة وتتوسد حفرة كأحقر الناس، ومهما بلغت في العالم من سطوة أو متعة أو شهرة، فإن هذا سوف لا يمنع جسدك الفاني من التعفن، سوف لا يمنع الدود من أن يرعى في جثتك حتى يأتي عليها. وستقف بعد هذا كله أمام الله مجردًا من مظاهر العالم المنوعة، لم تأخذ من الدنيا غير أعمالك، خيرًا كانت أم شرًا. فحرام عليك يا أخي الحبيب أن تركز أغراضك وآمالك في هذه الأرض، الأرض التي تنبت لك شوكًا وحسكًا، والأرض التي قبلت دماء هابيل البار، والأرض التي يحفرون فيها أبارًا مشققة لا تضبط ماء. {أر13:2}.

إن الآباء القديسين الذين عاشوا قبلنا علي الأرض. ولم تكن الأرض مستحقة أن يدوسوها بأقدامهم، هؤلاء جميعًا لم يصلوا إلي ما وصلوا إليه من قداسة. إلا بعد أن فرغوا قلوبهم من حب العالم والأشياء التي في العالم، فلم تعد لهم علي الأرض رغبة أو شهوة، ولم يحتفظوا فيها بقنية أو مُلك. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). لم يتمسكوا بشيء في العالم لذلك سهل عليهم أن يتركوه، بل اشتاقوا إلي ذلك اشتياقًا.

أما أنت يا أخي الحبيب فلك رغبات أرضية، {وحيثما يكون كنزك يكون قلبك أيضًا}. لذلك تعلق قلبك بالتراب ومجد التراب، فقلت قيمة الروحيات في نظرك. أنها التجربة التي حاول بها الشيطان أغراء رب المجد {أخذه إلي جبل عال جدًا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي}. وأن ملكت هذه جميعها ماذا تستفيد أن خسرت روحك، روحك الحبيسة في قفص مذهب من الرغبات، وتود أن تنطلق.

 

٢٠- انطلق من سلطان الحواس:

Eyesأنك تؤمن بحواسك الخمس إيمانا شديدًا ولا تصدق روحك أن تعارضت مع هذه الحواس فمتى تنجو من سلطان حواسك وتدرك انطلاق الروح.

أنك تصدق الشيء الذي تراه بعينيك. أو تسمعه بأذنيك، أو تلمسه بيديك.. أما غير هذا فقد يعتريك فيه الشك فلماذا!! السبب بسيط، وهو أنك ما تزال عائشًا بالجسد، تؤمن بالجسد وحواسه.

أنك تنظر هنا وهناك، فتري أنه ليس من أحد، ليس من مشاهد ولا من رقيب. فترتكب الخطأ الذي تتحاشى ارتكابه أمام الناظرين، فهل تصدق حقًا أنه لم يرك أحد؟! لقد كان هناك عينان تنظران إليك في إشفاق. وفي تأنيب.. ولكنك لم تبصر هاتين العينين لأنك كنت تعيش في الجسد.. كان  الله يراقبك وأنت لا تراه ولو كنت تعيش بالروح منطلقًا من هذه الحواس القاصرة لاستطعت أن تقول ما قاله إيليا: {حي هو رب الجنود الذي أنا واقف أمامه} {1مل15:18}.

تحيط بك المخاطر فتلتفت عن يمين وعن يسار. وإذ تري نفسك وحيدًا تخاف وترتعب. أن الله واقف عن يمينك لكي لا تتزعزع، ولكنك لا تراه. عيناك قاصرتان لا تبصران كل شيء. أنها عينان ماديتان لا تدركان الروحيات. ليتك يا أخي الحبيب تطلق روحك من سلطان هذه الحاسة الجسدية، روحك التي تفحص كل شيء حتى أعماق الله {1كو10:2}.، ليت روحك تنطلق لتري الله عن يمينك وتهمس في أذنه فرحا {أن سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معي} {مز23}. كان جيحزي المسكين خائفًا جدًا وهو يري بعينيه الأعداء يقتربون وليس من منقذ. أما أليشع العائش بالروح فكان مطمئنًا. كان يري بالروح ما لا تراه العين، ويسمع ما لا تسمعه الأذن. وإذ أشفق علي الغلام طلب من الله أن يفتح عينيه ليري… ونظر جيحزي فإذا الجبل زاخِر بجنود الله ومركباته فاطمأن {2مل17:6}.

لا تعتمد علي حواسك فهي ضعيفة لا تدرك ما تدركه الروح. كانت أرملة صرفة صيدا إلي الكوار فتري فيه حفنة واحدة من الدقيق. إلي الكوز فتري فيه قليلًا من الزيت، وتري أن هذا الدقيق وهذا الزيت لا يكفيان إلا لصنع كعكة واحدة تأكلها مع أبنها ثم يموتان من الجوع. أما إيليا، رجل الله. فكان يري بالروح غير ما تراه العيون الجسدية: كان يري كوز الزيت لا ينقص مهما أخذت منه الأرملة وكذلك كوار الدقيق… وقد كان. {1مل14:17}.

كان أليشع واقفا علي شاطئ الأردن. عينه الجسدية تري الأردن نهرا، وتري السير فيه يؤدي حتما إلى الغرق. أما روح أليشع فكانت منطلقة من هذه العين القاصرة. كان نهر الأردن والشاطئ بالنسبة إليه سواء. كلاهما أرض صالحة للسير أخذ أليشع رداء إيليا الذي سقط عنه عندما استقل المركبة النارية وضرب الماء بهذا الرداء فانفلق الماء وعبر أليشع {2مل14:2}. أن العين العادية تري ثوب إيليا ثوبا، أما أليشع فكان يراه بالروح قوي عجيبة يستخدمها الله.. ولم يكن في نظره ثوبًا كباقي الثياب. إن عينك قاصرة يا صديقي حتى في الماديات. هناك أجسام لا تراها، ومع ذلك فهي موجودة تتحدي بصرك الضعيف، وربما تستطيع أن تري هذه الأجسام الصغيرة باستعمال المجهر.

فإذا لك يكن هناك مجهر، ولم تر عينك المجردة تلك الأشياء الدقيقة، أتستطيع أن تنكر وجودها لأنك لا تراها! فأن كان هذا في الماديات. فماذا تقول عن الروحانيات.

في الأمور الروحية اترك فرصة للروح لكي تقودك، ولا ترغمها علي الخضوع للجسد، أتركها علي سجيتها تنطلق وتسبح في عالم الإلهيات “وطوبي لمن آمن دون أن يري” (يو29:20).

لابد أنك سمعت عن الرؤى يا أخي الحبيب، حينما تسبح الروح في عالم الملائكة والقديسين وتري ما لا يراه الجسدانيون، هنا تري الروح منطلقة من سلطان الجسد، تستخدم أعضاءه في أغراضها الروحية، فتخضع الحواس للروح، وليس الروح للحواس. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى).

قال لي شخص أنه سمع بظهور ما رجرجس في أحد الكنائس فرفض أن يصدق، وذهب بنفسه إلي هناك ليتأكد بعينيه من فساد تلك {الخرافات} وفعلا ذهب ولم ير شيئًا.

لست أريد أن أعلق علي هذه القصة بشيء، ولكني أعرض رأيًا وهو أن هذا الشخص وأمثاله قد لا يرون الرؤى لضعف أيمانهم بها، لأنهم يريدون إخضاع الروحيات لحواس الجسد، بينما يكشف الله للبسطاء عن أسرار ملكوته.

٢١- لست أريد شيئًا من العالم:

Faceهذا هو أول شيء يجب أن يقوله الإنسان الذي يحب أن يصل إلي انطلاق الروح:

لست أريد شيئا من العالم، فليس في العالم شيء أشتهيه، أنها تجارب تحارب المبتدئين.

لست أريد شيئًا من العالم، لأن العالم أفقر من أن يعطيني لو كان الذي أريده في العالم، لانقلبت هذه الأرض سماءً، ولكنها ما تزال أرضًا كما أري، ليس في العالم إلا المادة والماديات، وأنا أبحث عن السماويات، عن الروح، عن الله.

لست أريد شيئًا من العالم، فأنا لست من العالم، لست ترابًا كما يظنون، بل أنا نفخة إلهية , كنت عند الله منذ البدء، ثم وضعني الله في التراب، وسأترك هذا التراب بعد حين وأرجع إلي الله. لست أريد من هذا التراب شيئًا، من عند الآب خرجت وأتيت إلي العالم، وأيضًا أترك العالم وأرجع إلي الآب.لست أريد شيئًا من العالم، لأن كل ما أريده هو التخلص من العالم. أريد أن أنطلق منه، من الجسد، من التراب! وارجع -كما كنت- إلي الله، نفخة {قدسية} لم تتدنس من العالم بشيء.

لست أريد شيئًا من العالم، لأني أبحث عن الباقيات الخالدات، وليس في العالم شيء يبقي إلي الأبد، كل ما فيه إلي فناء، والعالم نفسه سيفني ويبيد. وأنا لست أبحث عن فناء.

لست أريد شيئًا من العالم، لأن هناك من أطلب منه. هناك الغني القوي الذي وجدت فيه كفايتي ولم يعوزني شيء. أنه يعطيني قبل أن أطلب منه، يعطيني النافع الصالح لي. ومنذ وضعت نفسي في يده لم أعد أطلب من العالم شيئًا.

لست أريد شيئًا من العالم، لأن العالم لا يعطيني لفائدتي وإنما يعطي ليستعبد. والذين أخذوا من العالم صاروا عبيدا له، يعطيهم لذة الجسد، ويأخذ منهم طهارة الروح. يعطيهم متعة الدنيا، ويأخذ منهم بركة الملكوت. ويعطيهم ممالك الأرض كلها ليخروا ويسجدوا له. ويعطيهم كل ما عنده لكي يخسروا نفوسهم. أما أنا فقد خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح {في 8:3}. وهذا العالم الذي يأخذ أكثر وأفضل مما يعطي، هذا العالم الذي يستعبد مريديه، لست أريد منه شيئًا..

لست أريد شيئا من العالم لأنني أرقي من العالم. أنني أبن الله. صورته ومثاله. أنني هيكل للروح القدس ومنزل لله أنني الكائن الوحيد الذي يتناول جسد الله ودمه. أنني أرقي من العالم، وأجدر بالعالم أن يطلب مني فأعطيه، أنا الذي أعطيت مفاتيح السماوات والأرض. وأنا الذي شاء الله في محبته وتواضعه أن يجعلني نورًا للعالم وملحا للأرض {مت5}.

لست أريد من العالم لأنني أريد أن أحيا كآبائي، الذي لم تكن الأرض مستحقة أن يدوسوها بأقدامهم. هكذا عاشوا، لم يأخذوا من العالم شيئا بل علي العكس كانوا بركة للعالم. من أجل صلواتهم أنزل الله الماء علي الأرض، ومن أجلهم أبقي الله علي العالم حياة حتى اليوم..

لست أريد شيئًا من العالم لأن الخطية قد دخلت إلي العالم فأفسدته. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). في البدء نظر الله إلي كل شيء فرأي أنه حسن جدًا إذ لم تكن الخطية دخلت بعد، حتى التنين العظيم في البحر باركه الرب ليثمر ويكثر، أما الآن وقد تشوهت الصورة البديعة التي رسمها الله في الكون فقد مجت نفسي العالم، ولم أعد اشتهي فيه شيئًا، هذا العالم الذي أحب الظلمة أكثر من النور.

لست أريد شيئًا من العالم، لأني أريدك أنت وحدك، أنت الذي أحببتني حتى المنتهي، وبذلك ذاتك عني. أنت الذي كونتني إذ لم أكن، ولم تكن محتاجًا إلي عبوديتي بل أنا المحتاج إلي ربوبيتك.. أريد أن أنطلق من العالم وأتحد بك، أنت الذي أعطيتني علم معرفتك..

 

٢٢- التعلم من الله:

POPمن الناس من هم جهلة لم يتعلموا على الإطلاق، ومنهم مَنْ قد علمهم الناس وهؤلاء أشد جهالة، أما المتعلمون الحقيقيون فهم الذين تعلموا من الله مباشرة..لقد خلق الله الإنسان علي جانب وافر من المعرفة. وعندما كان الإنسان يحتاج إلي مزيد من العلم، كان الله يعلمه بنفسه، ولو استمر الإنسان هكذا لصار عالما، ولاستطاع أن يأكل من شجرة الحياة ويحيا إلي الأبد، لكن الإنسان قبل لنفسه أن يتلقى العلم علي غير الله فبدأت جهالته، وهكذا أخذ أول درس له عن الحية وأكل من {شجرة المعرفة} فصار جاهلا.. وما زال الإنسان يسعى إلي المعرفة بعيدًا عن الله، فيزداد جهالة علي جهالته.

أن الإنسان هيكل الله، وروح الله ساكن فيه، هذا الروح الذي قال عنه السيد المسيح: {يرشدكم إلي جميع الحق} {يو13:16}. والذي قال عنه القديس بولس الرسول أنه: {يفحص كل شيء حتى أعماق الله} {1كو10:2}. ولكن الإنسان من فرط شقاوته وجهله، كلما يبحث عن المعرفة، لا يطلب أخذها من داخله، من روح الله الساكن فيه، وإنما يفتش عنها في الخارج عند الناس، وفي الكتب التي يظن أن له فيها حياة…!

وهكذا كثر العلماء وحكماء هذا الدهر، وكانت حكمة هذا العالم جهالة عند الله، ولقد سار أوغسطينوس العظيم في هذا الطريق فترة طويلة، يبحث عن الله خارجًا عن نفسه فلا يجده، ثم وجده أخيرًا فناجاه بتلك الأنشودة الخالدة:

{قد تأخرت كثيرًا في حبك أيها الجمال الفائق في القدم والدائم جديدًا إلي الأبد}.

{كنت فيَّ فكيف ذهبت أبحث عنك خارجًا عني…}

{أنت كنت معي، ولكني لشقاوتي لم أكن معك…}

ولما بحث أوغسطينوس عن الله في داخله، وجده وصار قديسا…

وهكذا أنت يا أخي الحبيب ستظل كثيرا في بحثك عن الله إن بحثت عنه في الخارج. أجلس إلي نفسك وفكر وتأمل، وادخل إلي أعماق أعماقك، واطلب الله، فستجده هناك، وستراه وجها لوجه، وتحسه كنبع دافق فياض من المحبة، فتعيش في فترة من الدهش العجيب وتصرخ في فرحة صامتة.

{لقد رأيت الله}.

هذه هي الطريقة التي لجأ إليها آباؤنا القديسون، خرجوا من زحمة الحياة، ومن اضطراب العالم وصخبه، وتركوا كل شيء وبحثوا عن الله في داخل نفوسهم، وهكذا بالهذيذ والتأمل استطاعوا أن يروا الله، وفي نفس الوقت كان المفكرون والفلاسفة والباحثون والعلماء يفتشون عن الله في الكتب وعند الناس، فلا يصلون إلا إلي جهالة وغموض وتعب.. أقول هذا وأنا متألم، لأنني أري أيضًا كثيرًا من الآباء الذين ذهبوا إلي القفر، قد أخذوا هم أيضًا يفتشون عن الله في الكتب أو في المشروعات أو في الخدمة، بينما الله في قلوبهم من الداخل، يريدهم أن يفرغوا من هذه المشغوليات كلها ويجلسوا إليه فيحدثهم عن أسرار لا يعرفها أحد، ويريهم ما لم تره عين.

ليس هذا بالنسبة إلي الرهبان فحسب، وإنما إلي الجميع.. أتدري يا أخي الحبيب ما هي الطريقة الصالحة للتربية الروحية؟ أنها ليست في إعطاء الإنسان شيئًا جديدًا، فهو يملك كل شيء والروح الحال فيه يعرف أكثر مما تريد أنت أن تعلمه.. إنما الوسيلة الصالحة للتربية الروحية هي في تخليص الإنسان مما يملك من معلومات خاطئة، من معرفة أخذها من العالم أو من الناس.

أن الطفل يولد وفي قلبه وفي فكره وفي خياله فكرة واسعة جميلة عن الله، ثم يتولاه المجتمع المسكين بالتعليم، فيقدم له أفكارا عن الله غير أفكاره، ويقدم له صورًا عن الله وعن القديسين تحد من خيال الطفل الواسع.. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). وهكذا تتبدل فكرة الطفل عن الله وعن القداسة بمصطلحات عرفية عن الخير والشر، التي أكل منها آدم وحواء. ويصير مثلهما جاهلا، ويأتي دور المرشدين الروحيين الحقيقيين، لا لكي يزيدوا علي الطفل علما، وإنما لينزعوا منه المعرفة الباطلة التي أخذها من العرف والتقاليد وتفسيرات الناس للدين. وعندما تنطلق روحه من هذا كله يعرف الله علي حقيقته، لأن الله ليس غريبا عنه، بل هو ساكن فيه..

 

٢٣-  انطلق من حب التعليم:

Teach حب التعليم خطر كبير.. ابتعد عنه يا أخي الحبيب حيثما وجد وأهرب منه علي قدر ما تستطيع..

أنك تريد أن تعلم الناس. ولكن أي شيء تريد أن تعلمهم؟

ألست معي يا أخي العزيز في أننا لم ننضج بعد، ولم نتعلم بعد؟ هناك أشياء نفهمها من وجهة نظر واحدة فنسئ فهمها. وعندما ندفع بأنفسنا لتعليم الناس، لا نعلمهم الدين كما هو وإنما كما نفهمه نحن، وفي سن معينة، ودرجة روحية وعقلية معينة. وقد نكبر في السن والروح والعقل، ونفهم الدين فهما آخر غير فهمنا له اليوم، فماذا يكون من أمر الناس الذين علمناهم قبلًا؟!

لذلك ولغيره يقول القديس يعقوب الرسول في رسالته {لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي. عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم، لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعًا} {يع3: 1، 2}.وهكذا نسمع أرميا يقول لله {لا أعرف أن أتكلم، لأني ولد {أر6:1}. ويقول إشعياء النبي عن نفسه أنه {إنسان نجس الشفتين} {أش5:6}. ونجد القديس باخوميوس يأتون إليه يطلبون كلمة تليق، فلا يتحدث، ولكن يدفع إليهم بتلميذه تادرس فيتحدث روح الله علي لسان هذا التلميذ القديس..

وأحد الآباء وهو شيخ، يأتي إليه أخ ليأخذ تعليما فيقول له {أمكث في قلايتك وهي تعلمك كل شئ} فيرجع الأخ منتفعًا… قصص كثيرة، أقرأها يا أخي بنفسك، وأنظر أي درس يعطيك الله عن طريقها. ولي ملاحظة قبل أن اترك هذه النقطة وهي أن تعاليم كثيرة للآباء القديسين وصلت إلينا عن أحد طريقين: إما أن الأب الشيخ كان في إثناء حديثه مع الأخوة، يتناول راهب ورقة ويدون ما يقوله الشيخ، وإما أن الأب كان يسجل تأملات له لمنفعته، فيجدونها في قلايته بعد نياحته وينتفعون بها.

هناك يا أخي الحبيب فرق شاسع جدًا بين التعليم وحب التعليم: التعليم دعا إليه الكتاب المقدس، وعهد به إلي أشخاص معينين، أما حب التعليم ففيه خطر كبير، في أحيان كثيرة يكون إحساس متنكرا.. مع حب التعليم يأتي في كثير من الأحيان إحساس خفي أو ظاهر بالجدارة الشخصية، وبالامتياز عن الآخرين، وكلما يتسع عند الشخص نطاق التعليم كلما يكبر عنده هذا الإحساس، حتى ليدخل إلي الكنيسة أحيانا لا لينتفع، بل لينقد ويقيم من نفسه معلما للمعلمين. أنه لا يأخذ ابدأ، وإنما يعطي باستمرار، ومثل هذا الشخص الذي لا يأخذ يأتي عليه وقت يجف فيه، ولا يعد لديه شيء ليعطيه..

أما الآباء فكانوا علي عكس هذا تمامًا. كانوا يتعلمون باستمرار ويأخذون نفعًا من كل شيء. كان القديس أنطونيوس العظيم يأخذ تعليمًا من امرأة {لا تستحي أن تخلع ثيابها لتستحم، أمام راهب}. والقديس مكاريوس أب برية شهيت كلها يأخذ تعليمًا من صبي صغير. وأرسانيوس الذي درس حكمة اليونان والرومان يتعلم من مصري أمي}. هؤلاء الآباء كانت أرواحهم تطوف كالنحلة النشيطة فتجني من كل زهرة شهدًا!

هناك خطورة أخري في حب التعليم، ذكرني بها إنسان غيور شغله التعليم عن نفسه: كان يقرأ الكتاب المقدس لا لينتفع، وإنما لِيُحَضِّر درسًا. ويحسن إلي الفقراء لا لأنه يحبهم وإنما ليكون قدوة للناس. ويحترس في تصرفاته لا لأنه يؤمن بما يفعله، وإنما لكي لا يعثر الآخرين. ويجلس إلي الناس لا ليقتبس من أرواحهم شيئًا وإنما ليمتحن حديثهم {كأستاذ} ثم يلقي بحكمة شارحًا الأوضاع السليمة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). بل قال مرة أنه كان يقف للصلاة فإذا ما افتقده روح الله، وشعر في الصلاة بشيء، أو سبحت تأملاته في شيء! يقطع صلاته ويجلس ليسجل هذه الاختبارات ليعلم بها الناس لقد انقلبت وسائط النعمة عند هذا الإنسان، وأصبح التعليم عنده هو كل شيء.

همسة أخري أريد أن أهمِسها في أذنك الحبيبة إلي قلبي وهي {أي شيء ستعلمه للناس؟ أهو الدين؟ هل تظن الدين مجرد معلومات يملأ بها الإنسان عقله؟ أخشي ما أخشاه يا صديقي المجاهد أن طريقة بعض الناس ستحول الدين إلي علم يدرسونه ويمتحنون فيه كسائر العلوم، وما الدين إلا روح وحياة كما تعرف.

قال لي {ولكني معلم في الكنيسة فماذا أعمل؟}. قلت له {حية هي روحك يا أخي الحبيب. أنك لا تعلم تلك النفوس وإنما تحبها. وهذه الأرواح التي تراها منطلقة حواليك، لم تطلقها التعاليم وإنما المحبة، المحبة التي {لا تسقط أبدًا} لأنها الله..

 

٢٤- انطلق من الشعور بالامتلاك:

StaRكثيرون يدعون أنهم أغنياء يملكون من قِنية العالم أشياء كثيرة أما أنت يا أخي الحبيب فقد تخلصت من الشعور بالامتلاك منذ أيقنت أن الملكية تقيد روحك.

لقد جئت إلي العالم بلا شك فقيرا مثلي لا تملك فيه شيئًا عريانا خرجت من بطن أمك. لا تملك الأقمطة التي قمطوك بها، ولا الفراش التي أضجعوك عليها. وكل ما {امتلكته} في العالم بعد ذلك لم يكن في الواقع إلا عطية من الله. لم يكن ملكك وإنما أمانة وضعها الله في يدك لفترة محدودة هي فترة العمر، وعندما تنقضي حياتك علي الأرض ستخرج منها فقيرا كما أتيت، وعريانًا كما ولدت. أما قنية العالم التي أدعيت ملكيتها عندما كنت علي الأرض والتي تركتها رغما عنك، فسيدعي ملكيتها غيرك. وينتقل من الأرض ليدعي ملكيتها ثالث، وهكذا دواليك…

انك لا تملك شيئا إذن، حتى ذاتك. لم يكن لك ذات من قبل إذ لم يكن لك كيان أو وجود، كنت عدما. ثم خلق الله ذاتك. وعندما سقطت وأصبحت هذه الذات ملكا للموت والهلاك، عاد الله واشتراها بدمه وافتداها لنفسه. أنت إذن من كل ناحية لا تملك شيئًا حتى ذاتك، لذلك فالذي يخطئ إلي ذاته يخطئ إلي الله نفسه، لأنه يفسد ملكا لله، ويفسد جسدا سر الله بعد أن امتلكه أن يجعله هيكلا لروحه القدوس. وبالمثل من يخطئ إلي الآخرين، فإنه مخطئ ضد الله نفسه عن طريق مباشر وغير مباشر. لقد أخطأ داود ضد أوريا الحثي وزوجته ومع ذلك قال لله {لك وحدك أخطأت} وليس السبب في ذلك مخالفته لله فحسب، وإنما خطيئته أيضًا ضد كائنين هما ملك لله.أن شعرت بهذا يا أخي الحبيب أدركت خطورة الخطية ووضعها الدقيق، انك لا تملك ذاتك حتى تتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم.

أما من جهة المقتنيات فقد شرحنا كيف أنها جميعًا ليست ملكك وإنما هي عطية من الله. أنت مجرد إنسان استؤمِن عليها ليدبرها بأمانة كما يليق بوكيل صالح. وهذا التدبير سيسألك الله عنه عندما يقول أعطني حساب وكالتك {لو2:16}. من أجل هذا نجد ملكا غنيا جدًا كداؤد} يري الأمور علي حقيقتها فيقول: {أما أنا فمسكين وفقير} {مز69} لم يكن فقيرًا حسب العرف البشري الخاطئ، ولكنه حقا لا يملك شيئا بحسب النظرة الروحية السليمة. ومن أجل هذا أيضًا كنا نجد الآباء القديسين ينذِرون الفقر الاختياري، وينظرون إليه كأحد الأعمدة التي تقوم عليها حياتهم الرهبانية.

وبهذا يمكنك أن تفهم الصدقة بمعناها الصحيح، أنك لا تعطي من مالك شيئًا، وإنما أنت تعطي لخليقة الله من مال الله. الأمر إذن لا يدعو إلي البر الذاتي أو إلي الفخر، ولا يدعو أيضًا أن تفكر في الابتعاد عن مدح الناس لك، بأن تمدح نفسك بالتصدق تحت إمضاء {فاعل خير} أعجبني متبرع قرأت إمضاءه فإذا هو: {فاعل شر يرجو الصلاة من أجله}.

إن الكائن الوحيد الذي يتصدق من ماله علي الناس هو الله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). ولست أحب أن أسمي الصدقة فضيلة، حيث أنها ليست فضلًا أو تفضلًا من المتصدق. وهو لا يعدو أن يكون، كما قلنا موصلًا لنعمة الله إلي الآخرين، وما يقال عن الصدقة يقال عن باقي الأعمال الحسنة التي لا يمكن أن تعتبر فضلًا من أحد.

يلحق بالصدقة عنصر آخر وهو الشكر عليها، كيف تقبل يا أخي أن يشكرك الناس علي شيء لم تدفعه من عندك، أن كان المال مال الله، فكيف تشكر أنت عليه، وكيف ترضى بقبول هذا الشكر؟! أعط مجدًا لله، وتوار ليظهر هو، فهو الذي عمل العمل كله.

أن الشعور بالامتلاك قيد يقيد روحك، ويشعرك بما ليس فيك حقيقة، فالهرب منه ليس إنكار لِذاتك، وإنما اعترافًا بحقيقتك وليكن الله معك.

 

٢٥- انطلق من سلطان ذاتك:

heads

أنطلق يا أخي من استعباد ذاتك لك لأنك أن وصلت إلي اتفاق مع نفسك، وتحررت من الداخل، فلن تستطيع كل الظروف المحيطة أن تؤثر عليك، إذ تكون قد وصلت إلي انطلاق الروح.

هل تحسب يا أخي الحبيب أن العالم له سلطان عليك؟ وهل تظن أن العثرات والمغريات هي السبب في سقوطك؟ كلا. تخطئ كثيرًا أن ظننت شيئًا من هذا. فقد يكون للعالم أو مغرياته بعض التدخل، ولكن السبب الأساسي الحقيقي لسقوطك هو ذاتك من الداخل.

لو لم تكن قابلا للخطية، مرحبا بها، أو محبا لها، لو لم تكن هكذا ما سقطت.

لقد كان يوسف الصديق يعيش في جو مشبع بالخطية، وقد أحاطت الخطية بيوسف في عنف ولكنه لم يسقط، لأن كل الإغراءات لم تستطيع أن تدخل إلي قلبه النقي. فانتصر علي الخارج كله، لأنه كان منتصرًا في الداخل. لا تقل أني سقطت لأن العالم ملئ بالمغريات، ولكن الأصح أن تقول: أنك سقطت لأن في قلبك حنينا إلي تلك المغريات وقبولا لها.

اثنان يمران في الطريق علي حانة، فلا يستطيع أحدهما أن يقاوم منظر زجاجات الخمر المعروضة، فيدخل ويشرب ويسكر وأما الآخر فيمر علي الحانة دون أن شعر بوجودها أو بوجود الخمر فيها. لا يراها معثرة، ولا تترك في نفسه أثرًا، ولا تعزيه لسبب واحد: وهو أن قلبه خال من الحنين إلي الخمر، خال من محبتها. قلبه من الداخل لا تقوي عليه المؤثرات الخارجية.

انتصارك إذن في حياتك الروحية يتوقف علي عامل حيوي، وهو نتيجة المعركة الداخلية بينك وبين نفسك. أن استطعت أن تصلب ذاتك في داخلك، ستخرج إلي العالم الخارجي بتلك العين البسيطة التي تري الخير في كل شيء، والجمال في كل شيء، وكما يقول الرسول: {كل شيء طاهر للطاهرين} {تيطس15:1}.

بعض الناس يتحاشون الأوساط الخارجية المُعِثرة، وهذا حسن وواجب، لأن الله منعنا عن مجالس المستهزئين وطريق الخطاة. ولكن الخطأ هو أن هؤلاء البعض يكتفون بتحاشي الأوساط الخارجية تاركين الحيوان الرابض في أحشائهم كما هو في شهوته للعالم والأشياء التي في العالم. أمثال هؤلاء قد يصادفهم النجاح بعض الوقت، ولكن ما أسرع ما يسقطون عندما تضغط عليهم التجربة وتفحم الإغراءات ذاتها في حياتهم.. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). هؤلاء يحبون الخطية وأن كانوا لا يفعلونها، والشخص الذي يحب الخطية قد يسقط فيها -ولو بعد حين- مهما تحاشاها أمثال هؤلاء يبتعدون عن الشر، ولكنهم يعتقدون في نفس الوقت أن عملهم هذا تضحية منهم في سبيل الله. أنهم -كالخطاة تمامًا- ما زالوا يعتقدون أن الشر لذيذ، والخطية حلوة مشتهاة، وما زالوا ينظرون إلي الشجرة فيجدونها جيدة للأكل، وبهجة للعيون وشهية للنظر، ولكنهم يفترقون في أمر واحد وهو أنهم لا يمدون أيديهم ليقطفوا. أنهم لم ينتصروا في الداخل، ولم يسكن الله في قلوبهم لذلك فهناك في العالم ما يغريهم وما يعثرهم، ففيه الخطية المحبوبة التي يشتاقون إليها، ولكنهم يهربون منها خوفًا من السقوط فيها.

أستطيع أن أقول أن هؤلاء -من ناحية الفعل- يطيعون وصايا الله، وأن كانوا لا يحبونها ولا يحبونه.

مثل هذا النوع إذا استمر في جهاده قد يخلص كما بنار وقد لا يستطيع أن يستمر في الجهاد فيسقط ويكون عظيمًا، لأن بيته ليس مؤسسا علي الصخر. أما الوضع الصحيح الذي يكون فيه الروح منطلقا، فهو عدم الاستعباد للخطية وعدم محبتها،حيث يكون الإنسان حرا من تأثير الشر عليه. {فالمغريات} في نظر غيره، ليست هكذا بالنسبة إليه لأنها لا تغريه، بل علي العكس هو لا يتفق معها بطبيعته المقدسة، لذلك فهو لا يتجاوب معها، بل ينفر منها دون جهاد ودون تعب، إذ قد ترك هذا الجهاد السلبي، أصبح جهاده سعيا في سبيل التعمق في الروح وفي معرفة الله.

ولكن الإنسان -كما قلنا- لا يمكن أن يصل إلي هذه الحالة ما لم يتنقَّ من الداخل، وينتصر في حربه مع نفسه التي تشتهي ضد الروح، علي الإنسان أن يصل مع نفسه إلي اقتناع أكيد بمرارة الخطية وبشاعتها، وبحلاوة الله ومتعة الحياة معه.

وفي هذه الحرب الداخلية {يقمع الإنسان جسده ويستعبده} {1كو27:9}. بل ويصلب في ذاته وشهواته. لا يقيدها ويتركها تصرخ فتحنن قلبه بصراخها ورعودها. وإنما ينظر إليها بمنظار الله فيجدها حقيرة لا تستحق شيئًا فينفر منها.. وهكذا يقول مع الرسول {مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح الذي يحيا في} {غل20:2} ألست تري أن هذا بعضا مما يقوله السيد المسيح {من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من أجلي يجدها} {مر35:8}.

ولكن هذا الأمر لا يمكن أن يتم بدون معونة خاصة من الله لذلك فالجهاد مع النفس لابد أن يصحبه جهاد مع الله. جاهد يا أخي معه في ضراعة مرددا قول إسرائيل البار {لا أتركك حتى تباركني} {تك26:32}.

قل له أيضًا: {تنضح علي بزوفاك فأطهر، وتغسلني فأبيض أكثر من الثلج} {مز50} وثق أنك إذا خرجت من هذه الحرب منتصرا فمن المحال أن تقوي عليك كل قوي الشر ولو اجتمعت.

ولكنك تري يا أخي الحبيب أن كل هذا يحتاج إلي الخلوة ومن هنا كانت الخلوة عنصرًا أساسيًا في حياة أولاد الله. استطاعوا بها أن يجلسوا إلي نفوسهم، وأن يجلسوا إلي خالِقهم، وأن يخرجوا من هذا وذاك بأسلحة متجددة تعينهم في حياتهم الروحية، وتدفعهم باستمرار إلي العمق. انظر إلي حياتك جيدًا وتأملها في صراحة فربما كان أسباب سقوطها افتقادها إلي الخلوة.

أن الشخص الذي لم يختبر هذه الخلوة، هو شخص لا يعرف نفسه علي حقيقتها. وهو شخص في أغلب الأحوال يجرفه التيار فلا يعلم إلي أين يذهب. أنه غالبا يفكر بعقلية الجماعة ويسير علي هداها، فينحدر ويظل في انحداره حتى يخلو إلي نفسه فيحس أنه ساقط.

أما أنت فلا تكن هذا الشخص. حدد لنفسك أوقاتًا مقدسة تراجع فيها سيرتك، وتتذكر فيها المبادئ السامية التي اقتنعت بها منذ زمان، ولتسترجع أمامك حياة المنتصرين من أولاد الله، وتغذي نفسك بكلام الله وأقوال الآباء وسيرهم، وتسكب نفسك أمامه في حرارة وعمق. تأخذ منه خبزك اليومي الذي لا غني لنفسك عنه.

الله معك يقويك، ويهبك القداسة التي من عنده، ويغفر لنا خطايانا.

 

٢٦- مساكين:

PH{هل تحسب أني سأحاسب وحدي علي خطاياي؟ كلا، بل أنكم ستقتسمون الحساب معي. فلو اعتنت بي الكنيسة ما كنت  أصل إلي هذه الحالة!!}

قال لي وهو ينفث دخان سيجارته في وجهي: {لعلك تعجب من حالتي الآن} فنظرت إلي شعره الطويل المصفف اللامع وعينيه الغائرتين، وأسنانه الصفراء، وأصابعه المرتعشة في عصبية ظاهرة، وشعرت نحوه بكثير من الإشفاق.. أنه واحد من الذين فداهم المسيح بدمه. وقبل أن أجيبه بشيء استطرد في مرارة:

{أنني لم أكن هكذا كما تعلم.. كنت قوي الروح، رضي الخلق، مواظبا علي الكنيسة، ثم أخذت أفتر شيئًا فشيئًا حتى انقطعت عن حضور الاجتماعات فلم تفتقدني الكنيسة أو تسع لإرجاعي، وزاد غيابي وزاد معه فتوري، وضعفت إرادتي، وظللت أهوي من قمتي العالية قليلا دون أن يفتقدني أحد.. إلي أن افتقدني الشيطان…وعندما أتي وجد قلبي مزينا مفروشا ووجد إرادتي منحلة، ولم يجد حولي أنجيلاً ولا صلاة ولا واحد من المرشدين الروحيين، وهكذا ضعت فريسة سهلة، وسرت في الظلام.. الظلام المحبوب الذي أحبه الناس أكثر من النور}. وهز رأسه في هدوء وقال: {أنني أشتري الآن أربع علب من التبغ كل يوم}.

وشهقت في دهشة وألم، ولكنه استمر {وأذهب إلي دور الخالية ما لا يقل عن ثلاث مرات في الأسبوع، واقرأ القصص العابثة وأتسلى بالأغاني الماجنة. وأصطحب جماعة كأنهم من زبانية الجحيم.. في بدء سقوطي كنت أقاوم الخطيئة ولا أستطيع لضعف إرادتي.. أما الآن فأني لا أقاوم علي الإطلاق} ثم ضحك في استهتار وقل: {بل أخشي أن أقول أن الخطية هي التي تقاومني، ولكنها لا تستطيع لضعف أرادتها}!

وكنت خلال ذلك حزينا جدا، أما هو فنظر إلي نظرة قاسية وقال في حدة: {هل تحسب أنني سأحاسب وحدي علي خطاياي. كلا. بل أنكم ستقتسمون الحساب معي. فلو اعتنت بي الكنيسة ما وصلت إلي هذه الحالة}.

ليس المهم يا صديقي القارئ أن أكمل لك قصة هذا الشاب فإنها واحدة من شبيهات كثيرات. علي أنني أقول لك أنني رجعت إلي منزلي في تلك الليلة وأنا في غاية الألم من أجله ومن أجل نفسي. أخذت أسأل نفسي في صراحة: كم شخص مثل هذا تدهورت حالته نتيجة لعدم افتقادي وعدم اهتمامي؟ وأخذت استعرض أسماء الذين لم أفتقدهم منذ مدة، وانتابني خوف وهلع، وشعرت نحوهم بكثير من القلق، ثم تساءلت: ألعل وجودي خادما هو معطل لخدمة الله. ورنت في أذني عبارة الشاب {أنكم ستقتسمون الحساب معي} وتذكرت قول القديس يعقوب الرسول: {لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعًا}.

ولما استمرت حالة الاضطراب مدة معي، طلبت إعفائي من الخدمة، وإذ رفض طلبي ارتميت أمام الله وبكيت بُكاءًا مُرًّا عرفت أنني مسكين..

مسكين عندما رضيت أن أكون خادمًا ولم أقل عبارة أرميا {آه يا سيد الرب أني لا اعرف أن أتكلم لأني ولد}

ومسكين عندما كنت أحسب الدرس مجرد محاضرة ألقيها في هدوء وأنصرف في هدوء.

يا أخوتي القراء صلوا من أجلي جميعًا. ومن أجل كل مدرسي مدراس الأحد فأنهم مساكين مثلي ومحتاجون.

وإذ أشكو وأتألم من مسئولية فصل صغير، ماذا أقول يا أخوتي عن آبائي الكهنة؟ أليسوا هم بالأكثر مساكين جدا ماذا يفعل الكاهن وهو مسئول عن خمسة أو عشرة آلاف نسمة؟

ماذا يجيب عندما يناديه الله {أعطني حساب وكالتك}.

في كنيسة الآباء الأول كان يعاون الكاهن جماعة من الشمامسة، يعملون معه ويساعدونه في الخدمة ويأكلون مثله من مال الكنيسة. أما الآن فأن أبانا الكاهن يعمل بمفرده، فصلوا من أجله كثيرًا حتى يعينه الله علي إتمام واجبه، وأنت يا أبي الكاهن ما الذي دفعك إلي الكهنوت؟ هل نظرت إلي امتيازه أم إلي مسئوليته؟ ألا تعرف يا أبي أنك مسئول عن كل رعيتك: الكبار والصغار، الرجال والنساء، الشبان والشابات. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). ولست مسئولا عمن يحضرون الكنيسة فحسب، بل أيضًا عمن في دور العبث والفساد، عن كل شاب ماجن في الطريق، وكل سكير في حانة، وكل نزاع في أسرة.

أن لم تعرف يا أبي أنك مسكين جدًا فخير لك أن تعرف هذا من الآن. فأدخل إلي مخدعك وأبك بُكاءًا مرًا. سلم الأمر لله. قل له انك ضعيف، وأن حملك ثقيل، اجتهد واسهر، لئلا يأتي بغتة فيجدك نائما.

أن كان أبونا الكاهن هكذا فماذا نقول يا أخوتي عن آبائنا الأساقفة، الذين سيسأل الله كل واحد منهم عن حوالي مائتي ألف نسمة أو أكثر. كهنة وعلمانيين؟! ألا تروا معي يا أخوتي أنهم مساكين جدا. فصلوا من أجلهم بلجاجة حتى يساعدهم الله علي أداء أعمالهم. وأنت يا أبي الأسقف ما الذي دفعك إلي الأسقفية أو المنصب أم المسئولية؟ هل اشتهيت فيها المركز والسلطة ولقب {صاحب النيافة} وعضوية المجمع المقدس، أم أنك تشتهي تخليص النفوس!

ثم ماذا فعلت يا سيدي الأسقف بخصوص مسئوليتك؟ قارن حالة الإيبارشية منذ توليتها حتى الآن.. هل تقدمت أم مازالت كما هي؟ يحسن بك يا أبي الأسقف أن تدخل إلي قلايتك وتبكي بًكاءًا مرًا. تذكر أن الرهبان القديسين كانوا يهربون من هذا المنصب لأن مسئوليته مخيفة. فإذا ما أمسك واحد منهم بالعنف ورسم أسقفا رغما عنه كان يبكي ويصرخ أمام الله واحد قائلًا: {أنت تعرف يا رب أنني ذهبت إلي الدير لأخلص نفسي، وهاأنذا قد أرجعت إلي العالم ولم أخلص نفسي بعد، ومطلوب مني العمل علي تخليص الآخرين أيضًا. وأنا يا رب لا أستطيع، فاعمل أنت} وكان الله يعمل.

ثم ماذا عن آبائنا البطاركة الذين سيسأل الله كل واحد منهم عن حوالي ثلاثة ملايين نسمة في مصر، وعدد أكثر من هذا في الحبشة والسودان والخمس مدن الغربية التي نسمع عنها في القداسات… ماذا نقول عن هؤلاء ومسئولياتهم الخطيرة؟ أليسوا هم أيضًا مساكين؟.. صلوا يا أخوتي من أجل كل بطريرك حتى يتمكن من القيام بواجبه وحتى يعطي جواب حينما يسأله الله عن نفسه ونفوس الأساقفة والقسوس والشمامسة والرهبان والعلمانيين وعندما يسأله عن حفظ قوانين الكنيسة وعن نشر الأرثوذكسية في العالم…..

وأنتم يا من سترشحون للبطريركية في يوم ما، أن عرضت عليكم فاهربوا لحياتكم، وأن دعاكم الله فانظروا إلي مسئولياتها، وأدخلوا إلي قلاليكم وابكوا أمام الله بكاءًا مرًا.

يا أخوتي القراء: لا تنظروا إلي خدام الله، ومَنْ يتحملون المسئوليات نظرة المتفرج تمدحونهم أن أحسنوا وتحاسبونهم أن أساءوا وإنما صلوا من أجلهم حتى ينجح العمل.

وأنت يا سيدي الخادم أهتم بالمسئولية وليس بالمنصب. ومتى شعرت بالعبء ألق علي الرب همك وهو يعولك.

 

٢٧- حدث في تلك الليلة:

Angel2 {قد كرسوا كل حياتهم لله فكانت كل دقيقة من أعمارهم تنفق في الخدمة.. هكذا كانوا يعتبرون الخدمة الروحية عملهم الرئيسي ويرون باقي أعمال العالم أمورا ثانوية}..

حدث في تلك الليلة أنني كنت وحيدًا في غرفتي الخاصة، متمددًا علي مقعدي وناظرًا إلي لا شيء، وإذ بابتسامة خاطئة تمر علي شفتي -لعلني كنت أفكر في نفسي كخادم- وهنا حدث حادث غريب: هل ثقلت رأسي فنمت أم اشتطت أفكاري فتحولت إلي أحلام؟ أم أشهر الله لي أحدي الرؤى لست أدري، ولكنني أدري شيئًا واحد وهو أنني نظرت فإذا أمامي جماعة من الملائكة النورانيين، وإذا بهم يحملونني علي أجنحتهم ويصعدون بي إلي فوق، وأنا أنظر إلي الدنيا من تحتي فإذا هي تصغر شيئًا فشيئًا حتى تتحول إلي نقطة صغيرة مضيئة في فضاء الكون، وأنصت إلي أصوات العالم وضوضائه فإذا بجسمي يخف ويخف حتى أحسّ كأنني روح من غير جسد – فأتلفت في حيرة حولي لأري أرواحًا كثيرة سابحة مثلي في الفضاء اللانهائي، وأري من الملائكة ألوفا وربوات ربوات ها هم الشاروبيم ذوو الستة الأجنحة والساروفيم الممتلئون أعينا – وها هي أصوات الجميع ترتفع في نغم واحد موسيقي عجيب {قدوس، قدوس، قدوس} ولا أتمالك نفسي فأنشد معهم دون أن أحس {قدوس الله الآب… قدوس أبنه الوحيد.. قدوس الروح القدس} واستيقظ عن إنشادي لأسمع نغمة قدسية خافتة لم تسمعها أذن من قبل، فاتجه في شوق شديد نحو مصدر الصوت، فإذا أمامي علي بعد مدينة جميلة نورانية معلقة في ملك الله، تموج بالتسبيح والترتيل، كلما أسمع منها نغمًا يمتلئ قلبي فرحًا، وتهتز نفسي اشتياقًا، ثم أنا أنظر فأري في المدينة علي بعد أشباحًا أجمل من الملائكة: هوذا موسى ومعه إيليا وجميع الأنباء، هوذا أنبا أنطونيوس وأنبا اثناسيوس وجميع القديسين، ها هم أبائي الأساقف وآبائي الكهنة -ها هو أب اعترافي- ثم هاهم بعض زملائي ومدرسي مدارس الأحد.. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). ولم أستطع أن أتأمل أكثر من ذلك بل اندفعت في قوة نحو تلك المدينة النورانية، ولكن عجبًا – إنني لا أستطيع التقدم، فهناك ملاك جبار كله هيبة وجلال ووقار يعترض سبيلي قائلًا:* {مكانك قف! إلي أين أنت ذاهب؟} فأجيبه:

* {إلي تلك المدينة العظيمة يا سيدي الملاك – إلي حيث زملائي وأخوتي وآبائي القديسون}. ولكن الملاك ينظر إلي فوق في دهشة ويقول:

* {ولكنها مدينة الخدام فهل أنت خادم؟ {فلما أجبته بالإيجاب قال لي:

* {أنك مخطئ يا صديقي فأسمك ليس في سجل الخدام وعصفت بي الدهشة فصرخت في هذا الملاك حارس المدينة:

* كيف هذا؟ لعلك لا تعرفني يا سيدي الملاك. اسأل عني مدراس الأحد واجتماعات الشباب واسأل عني الكنائس والجمعيات. بل اسأل عني أيضًا في مدينة الخدام إذ يعرفني هناك كثير من زملائي مدرسي مدارس الأحد…..}

وأجابني الملاك في صرامة وصراحة:

* {أنني أعرفك جيدًا، وهم أيضًا يعرفونك، ولكنك مع ذلك لست بخادم فهذا حكم الله}.

ولم أحتمل تلك الكلمات، فوقعت علي قدمي أبكي في مرارة، ولكن ملاكا آخر أتي ومسح كل دمعة من عيني، وقال لي في رفق:

* {أنك يا أخي في المكان الذي هرب منه الحزن والكآبة فلماذا تكتئب؟ – تعال معي ولنتفاهم}.

وجلسنا منفردين نتناقش فقال لي:

*”أن أولئك الذين تراهم في مدينة الخدام قد كرسوا كل حياتهم لله، فكانت كل دقيقة من أعمارهم تنفق في الخدمة. أليست هكذا كانت حياة بولس وباقي الرسل؟ أليست هكذا كانت حياة موسى والأنبياء؟ أليست هكذا كانت حياة الأساقفة والكهنة والشمامسة؟ أليست هكذا كانت حياة القديسين؟ أما أنت يا صديقي فلم تكن مكرسا بل كنت تخدم العالم. وكل ما لك من خدمة روحية هو ساعة واحدة في الأسبوع تقضيها في مدارس الأحد، وأحيانا كانت خدماتك الأخرى تجعلك تعطي الله ساعة ثانية، فهل من أجل ساعتين في الأسبوع تريد أن تجلس إلي جانب الرسل والأنبياء والكهنة في مدينة الخدام؟} وكنت مطرقًا خجلًا أثناء ذلك الحديث كله، غير أنني قاومت خجلي وتجرأت وسألت الملاك: {ولكنني أري في مدينة الخدام بعضًا من زملائي مدرسي مدارس الأحد وهم مثلي في خدمتي} فأجابني الملاك:

*{كلا أنهم ليسوا مثلك. حقيقة أنهم كانوا يخدمون ساعة أو أكثر في مدارس الأحد ولكنهم كانوا يقضون الأسبوع كله تمهيدًا لتلك الساعة، فكانوا يصرفون وقتا كبيرا في تحضير الدروس ووسائل الإيضاح، وطرق التشويق، والصلاة من أجل كل ذلك، وبحث حالات التلاميذ واحدا واحدا، والتفكير في طريقة لإصلاح كل فرد علي حدة، يضاف إلي ذلك انشغالهم في الافتقاد، وفي ابتكار طرق نافعة لشغل أوقات تلاميذهم أثناء الأسبوع – ثم كانت لهم خدمات أخري مختفية لا تعرفها، وهكذا يعتبرون الخدمة الروحية عملهم الرئيسي، ويرون باقي أعمال العالم أمورا ثانوية – لا أعني أنهم أهملوا مسئولياتهم وواجباتهم العالمية بل كانوا مخلصين لها جدا وناجحين فيها للغاية وأن كان عملهم العالمي أيضًا لا يخلو من الخدمة، وهكذا حسبهم الله مكرسين}.

وتعجبت من هذه العبارة فسألت: {وكيف أستطيع أن أكون خادما وأنا مشغول بعملي؟} فأجابني الملاك:

{لعلك نسيت يا أخي عمومية الخدمة! يجب أن تخدم الله في كل وقت وفي كل مكان: في الكنيسة وفي الطريق وفي منزلك وفي مكان عملك وأينما حللت أو تنقلت.

لا يجب إذن الفصل بين المهنة والخدمة، فعندنا في مدينة الخدام مدرسون استطاعوا أن يجذبوا كل تلاميذهم المسيحيين إلي مدارس الأحد، وأن يصلحوهم ويتعهدوهم بالعناية المستمرة. وعندنا في مدينة الخدام أطباء لم يتخذوا الطب تجارة وإنما اهتموا قبل كل شيء بصحة مرضاهم مهما كانت حالتهم المالية، فكانوا في أحيان كثيرة يداوون المريض ويرسلون له الدواء – كل ذلك بدون أجر، بل كانوا يقومون بتأسيس المستشفيات والمستوصفات المجانية، وعندنا في مدينة الخدام موظفون استطاعوا أن يقودوا كل زملائهم في العمل إلي الكنيسة للاعتراف والتناول من الأسرار المقدسة. وهناك أيضًا مهندسون ومحامون وفنانون وتجار وصناع: كل أولئك كانوا خداما في مهنهم، فهل كنت أنت كذلك؟}.

فخجلت من نفسي ولم أجب ولكن الملاك قال لي في تأنيب مؤلم..

* {هذا عن الخدمة في مكان عملك: ثم ماذا عن خدمتك في أسرتك!- أن يشوع الذي تراه في مدينة الخدام كان يقول {أما أنا وبيتي فنعبد الرب}. أما أنت فلم تخدم بيتك بل كنت علي العكس في نزاع مستمر مع أفراد أسرتك، بل فشلت في أن تكون قدوة لهم وأن تجعلهم يقتدون بك. ثم ماذا عن أصدقائك وزملائك وجيرانك ومعارفك؟ كنت تزورهم في عيدي الميلاد والقيامة دون أن تحدثهم عن الميلاد والقيامة، وعن الولادة الجديدة والقيام من الخطية بل تفرح معهم فرحا عالميا، وأتيحت لك فرص كثيرة لخدمتهم ولم تستغلها، فهل تعتبر نفسك بعد كل ذلك خادمًا؟!}

وطأطأت رأسي خجلًا للمرة الثالثة، ولكني مع ذلك احتلت علي الإجابة فقلت:

* {ولكنك تعلم يا سيدي الملاك أنني شخص ضعيف المواهب ولم أكن مستطيعا أن أقوم بكل تلك الخدمة.

وأندهش الملاك، وكأنما سمع هذا الرأي لأول مرة، فقال في حدة:

* {مواهب}؟ ومن قال أنك بدون المواهب لا تستطيع أن تخدم! هناك يا أخي ما يسمونه العظة الصامتة: لم يكن مطلوبا منك أن تكون واعظا وإنما أن تكون عظة.. ينظر الناس إلي وجهك فيتعلمون الوداعة والبشاشة والبساطة، ويسمعون حديثك فيتعلمون الطهارة والصدق والأمانة، ويعاملونك فيرون فيك التسامح والإخلاص والتضحية ومحبة الآخرين فيحبونك ويقلدوك ويصيروا بواسطتك أتقياء دون أن تعظ أو تقف علي منبر، ثم هناك صلاتك من أجلهم وقد تجدي صلاتك أكثر من عظاتك}.

وللمرة الرابعة تولاني الخجل والارتباك، فلم أحر جوابا واستطرد الملاك في قوله:

* {وكان يجب عليك أيضًا -كعظة صامتة- أن تبتعد عن العثرات فلا تتصرف تصرفا مهما كان بريئًا في مظهرة أن كان يفهمه الآخرين علي غير حقيقته فيعثرهم – وهكذا تكون {بلا لوم} أمام الله والناس كما يقول الكتاب: جاعلا أمام عينيك كخادم قول بولس الرسول: {كل الأشياء تحل لي، ولكن ليست كل الأشياء توافق} {1كو12:6}.

وتأملت حياتي فوجدت أنني في أحوال كثيرة جعلت الآخرين يخطئون ولو عن غير قصد. وقطع علي الملاك حبل تأملاتي قائلا في رفق:

* {ولكن ليس هذا هو كل شيء. أنني أشفق عليك كثيرا يا صديقي الإنسان. وقد كنت أشفق عليك بالأكثر أثناء وجودك في العالم، وخاصة في تلك اللحظات التي كنت تتألم فيها من {البر الذاتي}. كنت تنظر إلي خدماتك الكثيرة فتحسب أنك مثال للخدمة وبينما لم تكن محسوبا خادما إلى الإطلاق. ولعلك قد اقترفت أخطاء كثيرة أخري، منها أن خدمتك كانت خدمة رسميات، فقد كنت تذهب إلي مدارس الأحد كعادة أسبوعية، وكعادة أيضًا كنت تصلي بالأولاد، وكنت ترصد الغياب والحضور، فتعطي للمواظب جائزة، وتهمل الغائب غير مسئول عنه، وهكذا خلت خدمتك من الروح ومن المحبة، ولم تستطع أن تصل إلى أعماق قلوب الأولاد، لأن كلماتك وتصرفاتك لم تكن خارجة من أعماق قلبك. ولم يكن في الترتيل الذي تعلمهم إياه روح البهجة، ولم تكن في أوامرك لهم روح المحبة، وهكذا لم تحدث في خدمتك تأثيرًا، وكذلك كنت في عظاتك في الكنائس أيضًا: تعظ لأن الكاهن طلب منك ذلك فوعدته وعليك أن تنفذ، فكنت تهتم بتقسيم الموضوع وتنسيقه، وإخراجه في صورة تجذب الإعجاب أكثر مما تهتم بخلاص النفوس، وكان صوتك رغم علوه وإيقاعه ووضوحه باردا خاليا من الحياة، وكنت تبتهج -ولو داخليا فقط- بمن يقرظ موضوعك دون أن تهتم هل جدد الموضوع حياة ذلك الشخص أم لا. ألا تري يا صديقي أنك كنت تخدم نفسك ولم تكن تخدم الله ولا الناس. ولعل من دلائل ذلك أيضًا أنك كنت ترحب بالخدمة في الكنائس الكبيرة المشهورة الوافرة العدد دون الكنائس غير المعروفة كثيرًا.* ثم أنه نقص من خدمتك في هذه الناحية أمران هما: حب الخدمة وحب المخدومين.. أما عن حب الخدمة فيتجلى في قول السيد المسيح: {طوبي للجياع والعطاش إلي البر} فهل كنت جوعانًا وعطشانًا إلي خلاص النفوس؟ هل كنت طول الأسبوع تحلم بالساعة التي تقضيها وسط أولادك في مدارس الأحد؟ هل كنت تشعر بألم إذا غاب أحدهم، وبشوق كبير إلي رؤية ذلك الغائب فلا تهدأ حتى تجده وتعيد عليه شرح الدرس! – ثم الأمر الآخر وهو حب المخدومين: هل كنت تحب من تخدمهم، وتحبهم إلي المنتهي مثلما كان السيد المسيح يحب تلاميذه؟ هل كنت تعطف عليهم فتغمرهم بالحنان؟ وهل أحبك تلاميذك أيضًا؟ أم كنت تقضي الوقت كله في انتهارهم ومعاقبتهم بالحرمان من الصور والجوائز؟ من قال لك أن تلك الطريقة صالحة لمعالجة الأولاد؟ أن المحبة يا صديقي الإنسان هي الدعامة الأولي للخدمة. أن لم تحب مخدوميك لا تستطيع أن تخدمهم، وأن لم يحبوك لا يمكن أن يستفيدوا منك}.

وأطرقت في خجل مرير وقد تكشّفَت لي حقيقتي بينما نظر إلي الملاك نظرة كلها عطف ومحبة وقال:

* {أريد أن أصارحك بحقيقة هامة وهي انه كان يجب أن تقضي فترة طويلة في الاستعداد والامتلاء قبل أن تبدأ الخدمة – لأنك وقد بدأت مبكرًا ولم تكن لك اختبارات روحية كافية، وقعت في أخطاء كثيرة}.

ونظرت إليه في تساؤل وكأنما شق علي أن أخطئ وقد كلفت بإصلاح أخطاء الآخرين، فأجاب الملاك علي نظرتي بقوله:

* {هناك ولد طردته من مدراس الأحد لعصيانه وعدم نظامه – فأوجد هذا الطرد عنده لونا من العناد وقذف به إلي أحضان الشارع والصحبة الشريرة، فأصبح أسوأ من ذي قبل، وحاقت به من تصرفك أضرار جسيمة، خاصة أنه في حالته الجديدة فقد المرشد والعناية، ولابد أنك مسئول عن هذا لأنه في حدود عملك}. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). فأجبت {ولكنه يا سيدي الملاك كان يفسد علي الدرس، بل كان قدوة سيئة لغيره}.

فأجاب الملاك في مرارة:

*{وهل من أجل ذلك طردته؟ يا لك من مسكين: هل أرسلك السيد المسيح لتدعوا أبرارا أم خطاة إلي التوبة؟؟ أن تلاميذك القديسين الذين كنت بسببهم تحارب نفسك بالبر الذاتي، ترجع قداستهم إلي عمل الله فيهم، أما ذلك المشاكس فهو الذي كان يجب أن تتناوله بالرعاية. لمثل هذا النوع دعاك الله.

ولو أنك كرست جهودك كلها لإصلاح هذا الولد فقط ولم يكن لك في حياة الخدمة غير هذا العمل، لكان هذا وحده كافيا لدخولك مدينة الخدمة… كان يجب أن تقدر قيمة النفس وأن يكون لك الكثير من طول الأناة.

فخادم مدارس الأحد الذي تخلو مؤهلاته من هاتين الصفتين لا يستحق أن يكون خادمًا.

فقلت للملاك في رجاء: {وماذا كنت تريدني أن أعمل مع هذا الولد؟} فأجاب:

* {تخدمه بقدر ما تستطيع، وتختبر نفسيته وتعالجه بحسب ظروفه، وتصلي كثيرا من أجله – فإذا ما فشلت فلا تطرده وإنما حوله إلي فصل آخر، فقد ينجح زميل لك من المدرسين فيما فشلت أنت فيه – فإذا لم ينفع هذا أيضًا يمكنكم أن تخصصوا فصلًا أو أكثر من مدراس الأحد للأولاد المشاغبين، يعامل فيها هؤلاء الأولاد معاملة خاصة وفق طبائعهم – ويمكن أن تكثروا من افتقادهم ومن تقريبهم إلي قلوبكم علي ألا يطرد واحد منهم مهما أدي الأمر. أنهم ليسوا بأكثر شرا من الحالة الأولي لزكا أو المرأة السامرية أو مدينة نينوى. وخادم الله لا يعرف اليأس مطلقا ما دامت له الصلاة المنسحقة والقلب المحب}.

وشعرت بندم علي تصرفاتي القديمة، ولكن الملاك استطرد:

-* {ثم هناك ولد آخر غاب عن فصلك أسبوعًا ثم أسبوعين فلم تفتقده وكل ما فعلته كموظف رسمي في مدارس الأحد {!!!} أنك رصدته في سجلك ضمن الغائبين، واستغل الولد عدم افتقادك فاستمر في غيابه، وانتهزت أنت فرصة غيابه المستمر: فشطبت أسمه من قائمتك}.

ونظر إلي الملاك في صرامة وقال:

{لماذا لم تفتقِده؟!} وضعفت أمام حدة ونظرته. فصمت خوفا. بينما كرر سؤاله مرة أخرى في عنف ” لماذا لم تفتقده؟} وشعرت بعاصفة تجتاح رأسي ولم اجب، بينما أرتعش الملاك في اضطراب:

* {أن حالته الروحية تدعو الآن إلي الرثاء، ولو استمر علي هذه الحالة فأنه سوف..} واختلج صوت الملاك وصمت قليلا ثم قال:

* {أنني وكثير من الملائكة نصلي من أجله حتى ينقذه الله.. وعندما يستجيب الله صلاتنا ويرسل إليه خادما آخر أمينا في خدمته، وعندما ينقذ الولد، فإن إنقاذه سوف لا يخليك من المسئولية}.

وكان صوته خافتًا متألمًا لم أحتمل سماعه، فشعرت بالمناظر تدور أمام عيني ثم وقعت مغشيًا علي..

وعندما أفقت كان الملاك ينظر إلي في إشفاق، وساعدتني نظرته علي التكلم فقلت:

{سامحني يا سيدي الملاك فقد كان في فصلي ثلاثون ولدًا لم أستطع أن أفتقدهم جميعهم} فأجابني:

{وحتى أنت وقعت في هذه التجربة؟ في أغراء العدد؟ أن الله لا يقيس الخدمة بعدد التلاميذ، وإنما بعدد المتجددين الخالصين منهم.. أنا أعرف أنه كان صعبًا عليك أن تهتم بثلاثين ولدا من ناحية النظام والافتقاد والرعاية والتعليم، بل كان من الصعب عليك أن تحفظ مجرد أسمائهم، فلم تستطع أن تقول مع المسيح {خرافي تعرفني وأنا أعرفها}. ولكن لماذا لم تقتصر في خدمتك علي عشرة أولاد مثلا}.

وفضلت الصمت لأني لم أجد جوابا. أما الملاك فإنه قال في إشفاق:

* {هل تعلم ما هو أهم سبب في فشلك غير ما قلناه؟ أنه اعتمادك علي نفسك. وهكذا نسيت أن تصلي وتصوم من أجل الخدمة. أن زملاءك مدرسي مدارس الأحد الذين في مدينة الخدام كانوا يقيمون صلاة وصومًا خصيصًا من أجل فصولهم، وكانوا في كل يوم من أيام الأسبوع يذكرون أولادهم واحدًا واحدًا أمام الله طالبين طلبة خاصة من اجل كل واحد، بل كانوا يطلبون من آبائهم الكهنة إقامة قداسات خاصة من أجل الأولاد فهل كنت كذلك؟

{هذا كله عن الخدمة الروحية، ثم ماذا عن خدمتك المادية؟ هل ظننتها أمرًا ثانويًا؟ الم تعلم أن الغني الذي عاصر أليعازر هلك لأنه لم يشفق علي اليعازر المسكين؟ ألم تسمع المسيح يقول للهالكين {كنت جوعانا فلم تطعموني، كنت عطشانًا.. كنت عريانًا.. كنت مريضًا..} فماذا فعلت أنت؟ ألم تتمسك ببعض الكماليات بينما كان أخوتك محتاجين إلي الضروريات؟ ألم….}

ولم أحتمل أكثر من ذلك فصرخت في ألم: {كفي يا سيدي الملاك، الآن عرفت أنني غير مستحق مطلقا لدخول مدينة الخدام.

· فقد كنت مغرورًا يا سيدي جدًا – أما الآن وقد عرفت كل شيء فأني أطلب فرصة أخري أعمل فيها كخادم حقيقي}.

فقال لي الملاك: {لقد أعطيت لك الفرصة ولم تستغلها ثم انتهت أيامك علي الأرض…}

فألححت عليه وظللت أبكي وأرجوه، أما هو فنظر إلي فوق إشفاق ومحبة وتركني ومضي وأنا ما أزال أصرخ {أريد فرصة أخري – أريد فرصة أخري}. فلما أختفي عن بصري وقعت علي قدمي وأنا اصرخ {أريد فرصة أخري} ثم دار الفضاء أمامي ولم أحس بشيء.

ومرت عليَّ مدة وأنا في غيبوبة طويلة، ثم استفقت أخيرًا وفتحت عيني ولكني دهشت. وازدادت دهشتي جدًا.. وظللت أنظر حولي وأنا لا أصدق، ثم دققت النظر إلي نفسي فإذ بي ما أزال وحيدا في غرفتي الخاصة متمددًا علي مقعدي. يا لرحمة الله… أحقا أعطيت لي فرصة أخري لأكون خادما صالحًا..؟

وقمت فقدمت لله صلاة شكر عميقة، ثم عزمت أن أخبر أخوتي بكل شيء ليستحقوا هم أيضًا الدخول إلي مدينة الخدام. وهكذا أمسكت بعض أوراق بيضاء، وأخذت أكتب {حدث في تلك الليلة..}

 

٢٨- وتتركونني وحدي:

SEa هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن، تتفرقون كل واحد إلي خاصته.. وتتركوني وحدي..

واقف وحده.

كان ذلك المحب الحنون الطيب القلب يجول يصنع خيرًا. ينتقل من قرية إلي قرية ومن مدينة إلي مدينة يكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب.. ومع ذلك، اجتاز حياة مليئة بالألم. وكان الجميع يتركونه وحده، علي الرغم من أنه في حنانه لم يترك أحدا. وهكذا وجدناه وحيدًا في متاعبه وآلامه، وحيدا فيما يتعرض له من ظلم واضطهاد: لم يدافع عنه أحد، ولم يقف إلي جواره أحد، وإنما {جاز المعصرة وحدة}.

كان يصلي في بستان جثسيماني، وكان يكلم الآب في لجاجة وقد سال {عرقه كقطرات دم نازلة علي الأرض}، وهو يصرخ في اكتئاب {يا أبتاه أن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس} أما تلاميذه، أحباؤه وأصدقاؤه، فقد تركوه وحده وناموا، ثلاث مرات يرجوهم أن يسهروا معه ساعة واحدة، وهم لا يستجيبون له؟} {مت26: 38- 45}.

وعند القبض عليه تفرق تلاميذه كل واحد إلي خاصته وتركوه وحده كما سبق أن قال لهم {يو32:16}. ولما حوكم لم يدافع عنه أحد، وهو الذي دافع عن أشهر الخطأة… وفي آلامه لكن هناك من يعزيه. أنه درس يعطيه لنا السيد الرب عندما يضطهدنا الجميع، وعندما يتركنا حتى تلاميذنا أيضًا، ويقف كل منا وحده وليس في وقت الآلام فقط، وإنما في كل حياته أيضًا.. كان يكلم اليهود في الهيكل محدثًا إياهم عن التناول من جسده ودمه، وإذ صعب علي البعض فهم هذا الأمر. يقول القديس يوحنا: {من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلي الوراء ولم يعودوا يمشون معه، فقال يسوع للاثني عشر ألعلكم أنتم أيضًا تريدون أن تمضوا} {يو66:6}.

وفي مرة من المرات دعا البعض إليه، فاعتذر واحد ببقرته التي يريد أن يختبرها، وأعتذر الآخر لأنه مشغول بزوجته، واعتذر الثالث لمشغوليته بحقله. وتركه الجميع وحده، مع أنهم كانوا ثلاثتهم ممن أنعم عليهم {لو14: 18- 20}.

ويعوزني الوقت يا أخي إن حدثتك عن المسيح الواقف وحده الذي {إلي خاصته جاء وخاصته لم يقبله} {لو11:1}. ذلك النور الذي جاء إلي العالم وأحب العالم الظلمة أكثر من النور} {يو19:3}.

كل ذلك حدث في القديم ومازال يحدث حتى الآن. نفس الصورة القديمة: المسيح واقف، والعالم منشغل عنه بملاذه وملاهيه وطيشه، ليس من يهتم بيسوع، ليس ولا واحد، ليس من يجلس إليه كمريم أخت مرثا، أو يتكئ في حضنه كيوحنا بن زبدي، أو يغسل قدميه كالمرأة الخاطئة. والمسيح نفسه يشعر بهذه الوحدة ويعرف أن غالبية العالم منصرفة عنه بل أن الكتاب ليتساءل أكثر من هذا: عندما يأتي المسيح إلي العالم ألعله يجد الإيمان علي الأرض؟!

فهل أنت أيضًا تارك الرب يسوع وحده، ألك ما يشغلك عنه أسأل نفسك؟

كان وحيدا في تفكيره:

قليلون كانوا يفكرون في المسيح، وحتى هؤلاء الذين كانوا يفكرون فيه ويتحدثون معه ويستمعون إليه، هؤلاء أيضًا كانت لهم طريقتهم الخاصة في التفكير، التي كثيرا ما كانت تتعارض مع طريقة المعلم الصالح.

يذهب السيد إلي السامرة فتطرده تلك المدينة الخاطئة وتغلق أبوابها في وجهه، وهنا يلتفت التلميذان اللذان كانا مع المسيح ويقولان له: {أن شئت يا رب أن تنزل نار من السماء وتحرق هذه المدينة}! ويرد عليهما السيد: {لستما تعلمان من أي روح أنتما [إن ابن الإنسان لم يأت ليهلك العالم بل ليخلص العالم}. كان هذان التلميذان يفكران بطريقة غير طريقة معلمهما الطيب الذي يشعر لأن له في هذه المدينة كثيرون مختارين.

هذا الشعور العدائي نحو السامريين، اقتبسه التلاميذ من معاصريهم من الفريسيين والكتبة وغيرهم. أما السيد المسيح فكان وحيدًا في تفكيره إزاء هؤلاء، كان يحبهم ويعطف عليهم ويريد أن يجذبهم إليه: {وهكذا حدث الناس عن السامري الصالح، وسار علي قدميه مسافة طويلة ليهدي امرأة سامرية خاطئة، ويتحدث إلي مدينة السامرة.

وهكذا كان السيد وحيدا في تفكيره إزاء الأمم أيضًا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). كان هؤلاء محتقرين من الناس أما السيد المسيح فقال جهارا عن قائد المئة الروماني: {الحق أقول لكم أنني لم أجد في إسرائيل أيمانا كإيمان هذا الرجل} {مت10:8}. وقال هذا الكلام نفسه عن المرأة الكنعانية {مت28:15}.

وفي أغلب معاملات السيد للناس كان يقف وحده، والعالم يقف بعيدًا عنه من ناحية أخري.

يجتمع اليهود حول امرأة زانية ضبطت في ذات الفعل، ممسكين حجارة في أيديهم كي يرجموها. الجميع لهم فكر واحد. وهو أن تلك الخاطئة يجب أن تموت. ولكن يسوع له فكر أخر {من منكم بلا خطية فليقذفها بأول حجر} {يو7:8} هكذا قال لهم، فانصرف الجميع، وقال السيد للمرأة: {وأنا أيضًا لا أدينك. أذهبي بسلام}.

كان السيد المسيح يقف وحده بهذا القلب المحب، والعالم القاسي يعجب منه، هذا العالم المهتم بالظاهر أكثر من كل شيء: وليس أدل على ذلك من حادثتي الأعميين، والأطفال:

كان السيد خارجا من أريحا، فأعترض طريقة أعميان يصرخان بصوت عال {أرحمنا يا سيد يا ابن داود}. وظن الناس بتفكيرهم العالمي أن هذا الصراخ يزعج رب المجد فانتهروا الأعميين ليسكتا {مت31:20}. أما يسوع الطيب القلب فنادي الأعميين إليه، وفي حنان شفاهما، أنه لا ينزعج من صراخ الناس وطلباتهم كما ينزعج الغير.

وتكرر هذا التصرف أيضًا عندما ازدحم حواليه الأطفال وظن الناس أن هؤلاء الصغار يضايقونه فانتهروهم. أما هو فقال لهم: {دعوا الأطفال يأتون إلي ولا تمنعوهم لن لمثل هؤلاء ملكوت السموات} {مت14:19}.

كان وحيدا في فهمه للخدمة:

بينما كان الجمع يفكر أن السيد قد جاء ليكون ملكا علي إسرائيل، يحكم بأبهة الملوك ويخلص اليهود من اضطهاد الرومان، كان السيد يفكر في مملكة روحية يملك بها علي قلوب الناس قائلًا لهم في أكثر من مناسبة: {مملكتي ليست من هذا العالم} {يو36:18}.

وعلي هذا الأساس كان يفهم الخدمة أنها صليب يحمله الخادم في أرض مبللة بالعرق والدموع.. ولكن هذه الأفكار لم يكن يفهمها حتى تلاميذه أيضًا.

وهكذا إذ حدث التلاميذ أنه ينبغي أن يسلم للناس ويقتل ويموت ويقبر، أخذه بطرس الرسول ناحية وبدأ يوبخه قائلًا {حاشاك يا رب. لا يكون لك هذا} {مت22:26}. فأجابه السيد له المجد: {أسكت يا شيطان}، تري كيف كان يمكن أن يخلص العالم لو نفذت نصيحة بطرس المسكين!

وهكذا أيضًا فيما كان السيد يضع صليبه أمام عينيه باستمرار، نري التلاميذ يتركون معلمهم وحده في تفكيره، متناقشين فيما بينهم وبين أنفسهم {من يكون فيهم رئيسا}! ونري ابني زبدي يأتيان إليه مع أمهما ساجدين طالبين أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ملكوته! ولكن السيد يرد هذين التلميذين إلي المعرفة الحقيقية للخدمة وطريقها ويجيبهما: {لستما تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سوف أشريها أنا، وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟} {مز38:10}.

وحتى في كنه الخدمة نجد السيد المسيح واقفا وحده في تفكيره. يجمع الناس إليه فيتحدث إليهم بكلام النعمة ساعات طويلة حتى إذا ما أقبل المساء يأتي إليه التلاميذ قائلين (أصرف الجموع لكي يمضوا إلى القرى ويبتاعوا لهم طعاما) {لو12:9}. يا للتلاميذ. أنهم لم ينضجوا بعد، هل كانوا يفكرون أن الخدمة مجرد كلام يلقي علي الناس! أم أنها محبة عاملة! وهكذا يرد عليهم السيد: {لا حاجة لهم أن يمضوا. أعطوهم أنتم ليأكلوا}.

وحيدًا في الخدمة:

العالم مزدحم بخدامه، بل أن الخدام فيه لينافس بعضهم بعضًا، وكل صاحب مشروع يجد كثيرين ينضمون إليه ويعاونونه. أما السيد له المجد فإنه واقف وحده.. لقد قال منذ عشرين قرنا تقريبا وما يزال حتى الآن: {الحصاد كثير والفعلة قليلون. أطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعله لحصاده} {مت38:9}. ليس من ينضم إلي السيد في عمله. كل شخص يقول: {أحارس أنا لأخي؟} {تك9:4}.

سأصف لك يا أخي العزيز بعض حالات رأيتها بعيني…

· امرأة فقيرة وزوجها وثمانية أولاد أكبرهم شاب طائش والذي يليه في السن صبي صغير. كل أيراد هذه الأسرة حوالي الأربعة قروش يكسبها الرجل يوميا مع بيع الليمون مثلا، يشتري بها خبزا يتخاطفه الأولاد في جوع، ثم تمر عليهم أوقات لا يجدون فيها ما يأكلونه، فتحمل الأم المسكينة البعض منهم إلي ملجأ أو جمعية لتتسول لهم طعامًا، وماذا إذن عن ملابسهم التي لا تستر من جسمهم شيئًا، وكيف يحتملون بهده الملابس برودة الشتاء وحرارة الصيف، ثم ماذا عن أجرة حجرتهم وصاحبة البيت التي تهددهم بالطرد وتشبعهم سبا وإهانة كلما قصروا في دفع الإيجار.

· امرأة أخري أرملة وأولادها، كانت تعمل في جمعية دينية كحائكة للملابس مرضت شهرين، وربما لضعفها بسبب قلة الغذاء، فكانت النتيجة أن استغنت الجمعية عنها بسبب مرضها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). ولما قامت الأرملة الفقيرة من المرض ولست أدري تماما كيف عولجت..

*) كلها حالات في بداية الخمسينيات وأواخر الأربعينات. وكيف دفعت ثمن الدواء!! أقول أنها لما قامت وجدت نفسها وحيدة والدنيا مظلمة حولها.

* أرملة أخر شابة ولها ولدان، تسكن في حمام في بدروم في حجرة حقيرة في منتهي الرطوبة، تدفع إيجارًا لها ثلاثين قرشًا، وهي وأولادها مهددة بالسل وأمراض أخري، ومهددة قبل كل ذلك بالارتداد عن الدين وبالفساد والتشرد. وكيف تقتات؟ تعمل كغسالة، ولكنها لجوعها ضعيفة الصحة، لا تقوي علي الغسيل فلا تجد من يستخدمها.

* وهناك حالات أخري كثيرة، والسيد المسيح واقف وحده يعتني بكل هؤلاء. يقيتهم ويجفف آلامهم، ويعزيهم ويعلمهم الصبر والاحتمال. وفي كل ذلك يريد أن يشرك معه البعض منا نحن الخطاة في شرف الخدمة، ولكنه مع كل هذا ينظر فيجد الحصاد كثيرا والفعلة قليلين، ويجد الجميع قد انصرفوا كل واحد إلي خاصته وتركوه وحده.

من الخاسر في هذه الوحدة؟

ليس هو السيد المسيح طبعا فهو ليس وحده، لأن الآب معه وهو ليس محتاجًا إلي عبوديتنا بل نحن المحتاجون إلي ربوبيته. وهو عندما يدعونا أن نقف معه في وحدته، إنما يقصد خيرنا نحن بالذات. لأنه {أن كان الرب معنا فمن علينا} والذي يسير مع المسيح سيجد لذة روحية خاصة {تحت ظله اشتهيت أن أبيت}.

كما أنه في صحبة السيد لا يخاف شرًا {أن سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معي} {وأن قام علي جيش ففي ذلك أنا مطمئن {عصاك وعكازك هما يعزياني} {مز23:،مز27} هوذا المسيح ما يزال واقفا وحده يقرع علي الباب حتى إذا فتحت له يدخل ويتعشى معك وأنت معه.

فهل لا تزال مصرًا أن تتركه واقفًا وحده؟

 

٢٩- تأمل في النور والظلمة:

Universe” في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة وخاوية، وعلي وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف علي وجه المياه، ثم قال الله ليكن نور، فكان نور. ورأي الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهارًا، والظلمة دعاها ليلًا. وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا” {تك1:1- 5}.

لم تقل يا رب {لا تكن ظلمة}، وإنما قلت {فليكن نور}. فكان نور، وبقيت الظلمة، ووجد الاثنان معًا..

فلماذا لم تقض علي الظلمة، ما دام النور الذي رأيته كان حسنا في عينيك؟ لماذا أبقيتها؟ ولماذا أعطيتها أسما؟ ولماذا سمحت أن يكون لها سلطان، وقلت {هذه ساعتكم وسلطان الظلام} {لو22: 53}؟!

لماذا لم تجعل الكل نهارًا، والكل نورًا، أيها النور الحقيقي، النور الذي لا يُدنى منه؟ لماذا سمحت بأن يكون الظلام موجودا، وبأن يحبه الناس أكثر من النور؟! كان بإمكانك أن تلغي الظلام إلغاءًا فلا يكون. أو لا تسمح بوجوده قبل أن يوجد. ولكنك أبقيته علي الرغم من أنه لا يتفق مع طبيعتك! فلماذا؟

أن كنت قد سمحت أن يعيش الزوان مع الحنطة إلي يوم الحصاد، حيث يلقي الزوان في النار، فهل للظلمة أيضًا وقت تنتهي فيه، ويعيش أبناء النور في النور، النور الذي لم يستطيعوا الدنو منه عندما كانوا في الظلام؟ ولكن أليس حقا أن الأشرار يخلدون في الظلمة الخارجية؟ إذن فالظلمة الخارجية خالدة هي أيضًا! ولكن خارج أورشليم السمائية، بعيدة عن أولاد الله وبينها وبينهم هوة عميقة..

متى وجد الظلام؟ ر كان علي وجه الغمر ظلمة}. كان ذلك في بدء الخليقة كلها، قبل أن يقول الرب {ليكن نور} فمنذ متى كان الظلام؟…

عندما كان الله وحده في الأزل، لم يكن هناك ظلام، لأنه لم يكن هناك سوي الله وحده، والله نور. إذن فالظلام حدث فمتى حدث؟ وكيف؟ ولماذا؟ أجبني يا رب فإنني لا أعرف…

هل كانت الظلمة أقدم من النور بالنسبة إلي الخليقة؟ وما علاقة هذا بنظرية السديم؟ بلا شك أن النور كان هو الأقدم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). يقال أن هذه -الظلمة من الناحية الطبيعية- حدثت من فاعلية حرارة المجموعة الشمسية المنيرة في الغمر، فتبخرت المياه بكثرة وسرعة، ومن كثرة البخر تكون ضباب كثيف جدا حجب نور السديم، فصار علي وجه الغمر ظلمة.. علي أنني لا أريد أن أهبط إلي مستوي هذا التفكير المادي، إنما علي أن أتأمل في النور كما ينبغي… {كان علي وجه الغمر ظلمة} إذن كان هناك غمر، وكانت هناك أرض، وكانت هناك ظلمة.

لم تكن الأرض تعرف الله ولا كان الغمر يعرفه، فهل عدم معرفة الله كان هو الظلمة؟

وعندما كان روح الله يرف علي وجه المياه، والمياه لا تعرفه {النور أضاء في الظلمة، والظلمة لم تدركه}؟

ثم قال الله {ليكن نور}، فكان نور. أكان ذلك النور هو سر تلك الآية الجميلة {السماوات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه} {مز1:19}؟

هل هذا هو أول نور دخل إلي العالم؟ ولكن واضح أنه بدخوله لم ينته زمن الظلمة. فلماذا كانت الظلمة إذن؟ أريد يا رب أن أعرف. فهمني أنت. أنِر عقلي وروحي لأفهم أقوالك المحيية..

وهناك أنواع من النور: قيل عن الشمس والقمر والنجوم أنها نور. وقال الرب لتلاميذه {أنتم نور العالم}. وقيل عن الابن {الإله المتجسد} أنه نور من نور، حل ورأينا مجده. وقيل عن الآب {الذي لم يره أحد قط} أنه نور لا يُدنى منه. وقيل عن قبول الإنسان لعمل الله فيه أنه استنارة… والخير عمومًا يسمي نورًا، والبر يسمي نورًا، والحكمة والمعرفة تسمي نورًا.

في بادئ الأمر خلق الله النور المادي الذي ندركه بالحس ورأي الله النور انه حسن، ولكن هذا النوع هو أقل درجة من درجات النور. وهناك نور آخر يتدرج في الخليقة الحية حتى يصل إلي الإنسان الذي يمكنه بالروح أن يدرك الله ذاته. فما هو كنه النور في النبات والحيوان بأنواعهما؟ وما هي درجات رقيهما عن الجماد؟ وما علاقة كل هذه الخليقة بالله قبل خلق الإنسان؟ وما علاقته به بعد خلقه؟ الله نور، يفيض من نوره علي الطبيعة فتنير، وأيضًا علي العقل والنفس والحس والروح، فيكون نورها من فيض نوره ولكن ليس من جوهره. كما أن الله هو الحياة، وقد أعطى الخليقة حياة ولكنها ليست من جوهره وإنما من فيضه.

والله هو عقل وروح، وقد أعطي الإنسان عقلًا وروحًا، ولكنهما من فيضه أو من نعمته.. وهكذا.

لماذا رأي النور انه حسن؟ لأنه موافق لطبيعته. فالله نور ليست فيه ظلمة البتة. أن الظلمة ليس فيها الله، وإلا أصبحت نورًا. والذين يخضعون للظلام، سوف يلقون في الظلمة الخارجية، أي نور خارج نطاق التمتع بالله.

أن كان الله قد فصل بين النور والظلمة، فكيف دخلت الظلمة إلي الإنسان؟ وكيف تأصلت فيه، وكيف أحبها أكثر من النور؟ أنها أسئلة، اتركها لتأمل كل منا.

 

٣٠- عندما أجلس إلى ذاتي:

Manإنها يا رب ساعة مباركة، تلك التي أجلس فيها إلي ذاتي. ذلك لأني عندما أجلس إلي ذاتي، إنما أجلس معك. إذ أنت في داخلي، وأن كنت لا أراك كما كنت في العالم، والعالم لم يعرفك.

لذلك يا رب كانت احدي خطاياي الكبرى في العالم، هي الهروب من ذاتي.

لم يكن لي وقت لأجلس فيه مع ذاتي. وكل وقت كنت تفرغني فيه من المشغوليات والاهتمامات، وتعطيني فرصة أجلس فيها إلي ذاتي، وأجلس فيها معك، كنت أنا -لفرط جهلي- أبحث عن مشغولية جديدة أو اهتمام جديد، لأشغل بها الوقت! كان الجلوس إلي ذاتي نوعا من الكسل! كنت وأنا في العالم أعرف نظريا أهمية الجلوس إلي النفس، ولكنني من الناحية العملية لم أعِر هذا الأمر اهتماما. أو أن الشيطان لم يسمح لي أن أهتم بذلك. فكنت مشغولا علي الدوام، مشغولية مستمرة لا تنقطع…

من أجل ذلك يا رب، لم أر الكنز الموجود داخل نفسي، الذي هو أنت…

وعندما كنت أجلس بعض الوقت إلي ذاتي وأرى ولو شعاعا ضئيلا من ذلك الكنز، كنت أخفيه إلي أن أجد وقتا أطول أتفرغ فيه له، كنت أخفيه حتى أذهب أولًا، وأدفن أبي. وأرى حقلي وأختبر بقري!

وأخيرًا يا رب، عندما سمحت لي في يوم ما لا أستطيع تحديده تماما، أن أجلس إلي نفسي تلك الجلسة الطويلة الهادئة. وأكتشف ذلك الكنز المخبأ فيها،عند ذلك بعت كل شيء واشتريته ذلك الكنز الذي هو أنت، فصرت..

وهاأنذا يا رب أعترف لك:

إنني عندما أجلس إلى نفسي، أشعر في كل مرة أن نفسي أثمن من العالم كله {لأنه ماذا يستفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!}.

وعندما أشعر أن نفسي أثمن من العالم، يصغر العالم في عيني جدا، واخذ منك نعمة الزهد في كل شيء. وعندما أزهد كل شيء، أنظر فأجدك أمامي تشجعني وتقول لي {لا تخف.. أنا معك}.

وعندما أجلس يا رب إلي ذاتي, اكتشف ما بداخلها، وأري أيضًا ما فعله الغرباء الذين تطاولوا علي مقادسك فيها.. وعندما أرى ذلك، وأعرضه عليك، لكي تحفظ من الغرباء نفسي، عندئذ تطول بي الجلسة، وأجد أشياء كثيرة لأقولها لك ولها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). عند ذلك تضؤل أمامي التعزيات البشرية، ولا أبحث عن الاستئناس بالناس، بل بالأكثر أحب الوحدة والخلوة والسكون، حتى لا أحرم من تلك الجلسة اللازمة لي جدًا، التي تجلب لي الانسحاق والنقاوة. وأحيانا يا رب، عندما أجلس إلى ذاتي وأتعمق في بحثي داخلها، أجد في بعض أركانها حيات وعقارب كامنة نائمة، أو هي تحاول أن تأكل حبات قلبي في صمت أو في خفية، وتنفث سمومها في دمي وفي فكري وفي مشاعري، دون أن أردي…

وهذه عندما كنت أنظر إليها، كانت تستيقظ وتلدغ ضميري وتتعبني. ولكني كثيرا ما كنت أتركها نائمة حتى لا تتعب نفسي ولكن ما الفائدة يا رب في أن أتركها هكذا، وأتَعامى عنها باحثا عن نياح نفساني؟!

خداع هو في الحقيقة، وهرب من النفس…

أليس من الأفضل أن أكشف هذه الحيات وأقاتلها؟ ارحمني يا رب فإني ضعيف، وشاعر بضعفي وعجزي من مقاتلة أصغرها. الأصلح أن أكشِفها لك يا رب، وأنت تقاتل عني {علي رجز الأعداء تمد يدك وتخلصني يمينك}.

وعندما أجلس يا رب إلى نفسي، أعرف حقيقتي، وأدرك أنني تراب ورماد قدامك، فتتضِع نفسي في داخلي، وتشعر بأن مجد العالم إنما هو طلاء خارجي زائف لا يغير من حقيقة النفس شيئًا…

وعندما أجلس إلي ذاتي وأشعر بضعفي، التصق بك بالأكثر. متأكدا أنني بدونك لا أستطيع شيئا. وكلما ألتصق بك، تكشف لي ذاتك، فأري أنك أبرع جمالا من بني البشر، فأحبك، وأحب الجلوس معك أكثر من جلوسي مع سائر الناس.. وفي كل مرة أعرف عنك شيئا جديدا، فتزداد نفسي تعلقا بك.

أعطني يا رب أن أترك الناس، وانشغل بنفسي، لأربطها بك ثم أعطني يا رب أن أنسى نفسي، وأنشغل بك…

 

٣١- اكشف لي ذاتك:

Christلست أنا يا رب الذي أذهب إليك، لأني لا أعرف طريقة الوصول جيدا، عقلي قاصر، وروحي حبيسة، وأنا أيضًا مربوط إلي الجسد، وهناك أشياء كثيرة تعطيني: منها شهواتي ورغباتي.. وأيضًا يا رب لأني أحيانا أريد أن أتقرب إليك!!

ثم أني يا رب، مشغول عنك! لدي اهتمامات كثيرة تعطلني وأنا من فرط شقاوتي وجهلي لا أنزع عني الاهتمامات الباطلة وغنما أزيد عليها في كل يوم شيئًا جديدا.. فتعال أنت يا رب إليَّ اكشف لي ذاتي وافتقدني -كابن أو كعبد- أنت يا من كلك محبة، بل أنت المحبة كلها.

لست أنا يا رب الذي أبني لك بيتا في قلبي لتسكن فيه، لأنه {أن لم يبن الرب البيت، فباطلا تعب البناءون}.. من أنا حتى أبني لك هيكلا مقدسا يحل فيه روحك عندي؟ أنت يا رب تبني أورشليم. فتعال ولا تنتظرني، إذ قد يطول انتظارك ولا أجئ..

ليس بجهدي يا رب، ولكن بمعونتك، ليس بقوتي، ولكن بنعمتك. أنا من ذاتي لا أستطيع أن أعرف، ولكن أنت تستطيع بمحبتك أن تكشف ذاتك لي.

وأنت لا تكشف لي ذاتك، أن لم أحبك، ولكن كيف أحبك أن لم تكشف لي ذاتك. أكشف ذاتك لي حتى ينمو حبي لك. لأني كلما أري فيك شيئًا جديدًا، يزداد حبي لك بالأكثر، وتتوطد علاقتي بك، إذ كيف يمكن أن يحب الإنسان بمحبة حقيقية كلئنا أن لم يعرفه ولم يره ومعلوماته عنه غامضة؟!

فاكشف لي ذاتك إذن، لأن هذا هو المصدر الوحيد الذي أعرفك به معرفة حقيقية: ليس عن طريق الناس أو الكتب، بل معرفة الذي رأيناه بأعيننا ولمسناه بأيدينا..

أنني لا أستطيع أن أعرفك معرفة كاملة عن طريق الكتب أو عن طريق الناس الذين عرفوك، إذ أن هؤلاء أيضًا لا يستطيعون أن يعبروا عما رأوه فيك من صفات لا ينطق بها، ولا يقوي لسان أن يتحدث عنها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). بل كل ما يستطيعونه أنهم يشوقون السامع أو القارئ بقولهم: {تعال وأنظر ما أطيب الرب} أما أن يوضحوا حقيقتك فليس بإمكانهم!

ولكن إن كشف لي ذاتك يا رب، فكيف أستطيع أن أرى وجهك بينما بدون القداسة لا يعاين أحد الرب؟! والقداسة أمر ليس في إمكاني، فقد كثر الذين يحزنونني واعتزوا أكثر مني، وأنا ضعيف أمامهم جميعا: أما العالم الجسد والشيطان، وأمام الرغبات والشهوات والأفكار.

كثيرا ما أسقط، وكثيرًا ما أزِل. والقداسة حلم أشتهيه ولكن أين لي به! فهل معني هذا أنني سوف لا أراك؟ أعطني يا رب نقاوة القلب التي بها أري وجهك. انضح علي بزوفاك فأطهر، أغسلني فأبيض أكثر من الثلج.

 

٣٢- محبة الطريق:

CopticOrthodoxMonkلماذا أصلي؟ ولماذا أصوم؟ ولماذا أختلي؟ ولماذا أقرأ؟ …

هل لكي أصبح رجل صلاة، أو رجل صوم أو خلوة أو معرفة؟

هل أحب أن أكون عابدا؟ هل العبادة شهوة مستقلة في نفسي لها غرض خاص؟

هل أريد أن تكبر نفسي، أو أن أكبر في عيني نفسي، عن طريق النجاح والنبوغ في هذا الطريق!؟

هل أنا مهتم بذاتي: ماذا أكون؟ وكيف أكون؟ ومتى أكون؟ وكيف أتطور إلي أفضل؟…..

هل أنا أحب الله ذاته، أم أحب الطريق الذي يوصل إليه؟

هل أنا مثلا أحب الصلاة، أم أحب الله الذي أصلي إليه؟

أنني ألاحظ في نفسي أحيانا أخطاء كثيرة:

عندما أكمل مزاميري أفرح: لا لأني تحدثت مع الله، وإنما لأنني راهب ناجح في القيام بقانونه وواجبه في العبادة!! وعندما لا أستطيع أن أصلي مزاميري جميعها، أحزن: لا لأني فقدت متعة التحدث مع الله، وإنما لأني راهب فاشل!! وهكذا أيضًا في صومي، وفي سهري، وفي قراءاتي …!

المسألة إذن شخصية بحتة. هي أنانية واضحة. أريد فيها أن أكبر في عيني نفسي علي حساب صلتي بالله.؟

متى يأتي الوقت الذي لا أصلي فيه مزمورا واحدا، ومع ذلك أكون سعيدا لأني علي الرغم من ذلك كنت ثابتا في الله عن طريق آخر من العبادة.

هل أنا أصلي من اجل لذة ومتعة الحديث معك، وحلاوة الوجود في حضرتك، أم من أجل أن أكتسب فضيلة أصل بها إلي الحياة الأخرى؟ أم أنني أصلي لكي أتحدث معك حديثا أطلب فيه تلك الحياة؟

هل الصلاة في نظري هدف في ذاتها أم مجرد وسيلة؟

أن كنت أثور علي إنسان عطل خلوتي وصلاتي، ومن أجل الصلاة والخلوة، أفقد سلامي الداخلي، وأفقد سلامي مع الناس، وبالتالي يتعكر قلبي وأفقد سلامي مع الله أيضا، إذن فقد أصبحت الصلاة هدفا لا وسيلة، وفي سبيل هذا الهدف قد أنحرف وأخطئ.

إن العبادة هي مجرد طريق يوصل إلي الله، ولكن الهدف هو الله ذاته. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). والمحبة طريق، والخدمة طريق، ولكن واحدا هو الهدف، أعني الله.. لماذا إذن نفقد الله من أجل المحافظة علي الطريق الذي يوصل إليه؟ ومن أجل أن يكون هذا الطريق في الوضع الذي نشتهيه؟

فلنحب الطريق لا لأنه شيء في ذاته -وحقًا هو شهي- وإنما لأنه يقودنا إلي الله. ولنسرع في الطريق ونعبره بسرعة لنصل إليه.

والكمال هو أن يكون طريقنا إلي الله، هو الله. لأنه ذاته … هو الطريق.

 

٣٣- اتركيني الآن:

Eyes{هذه المقالة ليست لكل واحد، إنها درجة روحية معينة، الذين هم أقل منها، لا ينتفعون بها}.

هوذا أنا هكذا يا رب أتدخل باستمرار فيها لا يعنيني. لست أقصد التدخل في شئون غيري من الناس، كيف يتصرف، وكيف تتصرف أنت معه -ولو أنني أقع كثيرا في هذا الخطأ- وإنما أقصد تدخلي في شئون نفسي. بينما هي أمور لا تعنيني أنا بقدر ما تعنيك أنت..

نفسي ليست ملكي، وإنما هي ملكك، اشترها بدمك الكريم فأصبحت لك. وليس لي بعد أن أتدخل في شئونها، لأنك أنت تدبرها حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية.

علي إذن أن أنظر وأمجدك.

متى يأتي الوقت الذي لا أتدخل فيه في شئون نفسي، وإنما أتركها لك: حيثما تسيرِّني أسير، وكيفما تصيرني أصير؟ متى أرض بحالتي التي ارتضيتها أنت لي، فلا ألِح عليك في تغييرها كأنك غافل عن صالحي؟

متى تتحول صلاتي من طلب إلي شكر؟ أو متى ابحث عن شيء أطلبه فلا أجد لأني لست أجد خيرا لي الآن مما أنا فيه؟..

متى يأتي الوقت الذي يصبح فيه عملي الوحيد هو ألا أعمل شيئًا، وإنما اترك نفسي في يديك وأنساها هناك، ولا أذكر إلا هاتين اليدين اللتين جبلتاني وصنعتاني واللتين كنت تضعهما علي كل واحد فتشفيه.

متى أؤمن بك الإيمان كله. فاستأمنك علي حياتي تدبرها كيف تشاء، أنت يا صانع الخيرات، دون أن أقحم نفسي في عملك هذا وأتلصص متجسسًا عليك لأري ماذا تعمل بي!! وكيف تعمل.. وهل عملك مقبول أم لا!

وهل يستدعي الأمر تدخلا مني أم لا يستدعي؟

آه يا رب كم أنا وقح في تصرفي معك! جاهل أنا وأتدخل في أعمال حكمتك محاولا أن أوقفها لأنفذ مشورتي الغبية!! كم يكون أحكمني لو أنني سكت وأخذت منك موقف المتفرج لا موقف الشريك. إذن لكنت أري عجائب من حكمتك….

أنني يا رب أفكر كثيرا في ذاتي، ولا أفكر ولو قليلا فيك أنني أثق كثيرا بذاتي، ولا أثق ول قليلا بك. ذاتي هي صنمي متى يتحطم لكي أعبدك العبادة الحقة؟ أن كنت لا أحطم بنفسي هذا الصنم لكونه جميلا في عيني، أو لكونه متى لدي جدا، فتول أنت يا رب تحطيمه، وعند ذلك لا يبقي لك منافس في قلبي فأحبك، ولا يبقي لك منافس في إيماني لأعبدك. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). لو كنت يا رب أفكر فيك بقدر ما أفكر في ذاتي، ولو كنت اعتمد عليك بقدر ما أعتمد علي مقدرتي الخاصة، ولو كنت أحبك بقدر ما أحب نفسي، إذا لأصبحت مثل أولئك القديسين الذين أنكروا أنفسهم ليعرفوك.

متى تعتقني يا رب من ذاتي؟ متى؟ لا لكي أصير قديسًا، وإنما لكي أجدك.

متى تخرج من الحبس نفسي، وأطلق عبدك بسلام؟ متى أضيع ذاتي من أجلك لكي أجدك؟ وحينئذ أجدها فيك. متى أهلك ذاتي من أجلك؟ أذن لكانت تحيا بك. متى انظر إلي ذاتي فلا أجدها، وإنما أجدك أنت، متى أنظر إليها فأراك؟ متى أنظر إلي العالم فأراك؟ وإلي الناس فأراك؟ وتصبح لي الكل في الكل وليس سواك.

هي تبيد وأنت تبقي، وكلها كثوب تبلي، وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت وسنوك لا تفني.

قالوا لي: {أعرف نفسك}. وقالوا لي: {أدخل إلي ذاتك}. آه يا رب هي ذاتي هذه سبب متاعبي كلها..

متى أدخل إليها فلا أجدها؟!…

كم مرة نظرت إلي ذاتي فوجدتها معلقة علي الصليب بلا حراك. فلما أمعنت النظر إليها، أبصرتك أنت، ففرحت. لم افرح بذاتي لأنها ورثت الملكوت وإنما فرحت بك لأني وجدتك.

وَيُخَيَّل إلي أنني سوف لا أجدك في كل مرة إلا هناك في وادي ظل الموت، لأنني أن سرت في وادي ظل الموت فأنت معي. لقد خلقتنا للحياة، ولكننا بخطيتنا اخترنا لنا الموت، فإذا بك أنت البسيط الذي كل شي طاهر قدامك، تقدس الموت وتجعله لنا بابا للحياة!! بل هو الباب الوحيد للحياة. {من وجد نفسه يضيعها، ومن أضاع نفسه من اجلي يجدها} {أنكر ذاتك واحمل صليبك وأتبعني}.

الارتباط بك. لأنني لم ادخل إلي الوحدة من أجلك، وإنما من اجل نفسي. أما لترضي هي عن ذاتها، أو ليرضي الناس عنها.

لكنني في السنة الثانية عرفت معني الانحلال من الكل بتفسير آخر، وهو الانحلال من نفسي، لأنني أجعلها بالنسبة إلي الكل في الكل.

وفي السنة الثالثة أي معني سأعرفه لهذه العبارة؟ لست ادري. ليتني أكون قد نسيتها، ونسيت التفكير في معناها، من فرط الانشغال بك.

كنت أقول عن اجتماعي بالأخوة، أننا باجتماعنا معا علي الأرض هنا نعطل أنفسنا عن الانشغال بالله، وربما نتسبب بذلك في عدم اجتماعنا كلنا هناك معه في الأبدية. وأريد الآن أن أقول أن اجتماعي بنفسي هو الذي يعطلني بالأكثر.

أنني اشعر أنني محتاج، بين الحين والحين، كلما أخلو إلي نفسي، أن أقول لها: {اتركيني الآن، فهذا خير لنا} اتركيني لكي أخلو بالله، وبهذا أستطيع أن أتمتع بوعده من أن تثبتي فيه}. فأجلس – لا مع ذاتي وإنما مع الله الحال في ذاتي.

 

٣٤– ربنا موجود:

يسوعأنت يا رب موجود، يحس الضعفاء وجودك فيتعزون، وأن تذكر الأقوياء وجودك يرتعشون.

لذلك فعبارة {ربنا موجود} تبهج وترعب، تعزي وتكدر.

ولكن علي الرغم من وجودك، إلا أن كثيرين لا يحسونه، وهكذا صاح سليمان الحكيم قائلًا: {ثم رجعت ورأيت كل المظالم التي تجري تحت الشمس. فهوذا دموع المظلومين ولا معز لهم} {جا1:4}. فلماذا يا رب تنظر وتصمت؟

أرنا يا رب رحمتك. اثبت وجودك.؟ لماذا يعيروننا قائلين: أين الرب إلهكم؟} لماذا تنتظر حتى الهزيع الأخير من الليل، والتلاميذ مضطربون في السفينة، والأمواج شديدة؟ نعم، لماذا تنتظر، بينما يقول الكتاب أنك تأتي ولا تبطئ؟!

أسرع يا رب أسرع. لقد شكا داود من هذا الإبطاء، فقال: {اللهم التفت إلي معونتي، يا رب أسرع وأعني. أنت معيني ومخلصي يا رب فلا تبطئ} {مز69} نحن نعلم أن رحمتك ستأتي، وأنه ليس لنا أن نعرف الأزمنة والأوقات التي جعلتها في سلطانك وحدك. لذلك سننتظر كل الوقت، كما قال المرتل {انتظرت نفسي الرب من محرس الصبح حتى الليل}….

ها نحن يا رب ننتظر، مؤمنين انك موجود، وأنك لابد ستعمل. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). وستعمل بقوة، وبحكمة، وفي الوقت المناسب الذي تحدده رأفاتك غير المحدودة.. ما أجمل قول ربنا يسوع: {أبي يعمل حتى الآن، وأنا أيضًا أعمل}…

فأعمل يا رب إذن أعمل من أجل محبتك للعدل وللصلاح. وأعمل من اجل أن يطمئن الناس، فيسلموا حياتهم في يدك، ويتأملوا عملك وهم صامتون، أو يتأملوا عملك وهم ينشدون تلك الأغنية الجميلة {الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون}.

بل هم يتأملون عملك، فيتغنون وهم مطمئنون “ربنا موجود”، نعم حقا: {ربنا موجود}…

6,043 total views, 1 views today