كشفت دراسة أسترالية حديثة أن العلاقة بين استخدام التكنولوجيا الرقمية والصحة النفسية للأطفال والشباب ليست بالبساطة التي يتم تصويرها أحياناً، مؤكدة أن تأثير العالم الرقمي يختلف بدرجة كبيرة باختلاف العمر ونوع المنصة والمحتوى وطريقة الاستخدام.
وأصدرت اللجنة الوطنية للصحة النفسية في أستراليا تقريراً بعنوان Digital Technology Experiences of Children and Young People، تناول تجارب الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و25 عاماً مع التكنولوجيا وتأثيراتها المحتملة على صحتهم النفسية ورفاهيتهم.
وشارك في إعداد الدراسة باحثون من جامعة لاتروب وجامعة ديكن وجامعة سيدني، حيث شمل البحث مجموعة واسعة من التقنيات والمنصات، من بينها وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف والأجهزة المحمولة ومنصات البث والألعاب الإلكترونية وتطبيقات المراسلة والمنتديات الإلكترونية، إلى جانب تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومن أبرز النتائج التي توصل إليها التقرير أن الربط المباشر بين استخدام التكنولوجيا وتدهور الصحة النفسية قد لا يعكس الصورة كاملة. فقد وجدت الأبحاث أدلة تشير إلى أن بعض أعراض المشكلات النفسية يمكن أن تدفع الشباب لاحقاً إلى زيادة استخدام التكنولوجيا، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، وليس بالضرورة أن تكون التكنولوجيا هي السبب الأول في ظهور هذه الأعراض.
كما أظهر التقرير أن التجارب الرقمية تحمل جوانب إيجابية مهمة. فالأطفال والشباب يستخدمون الإنترنت للتواصل مع الآخرين، والحصول على المعلومات، والتعلم، والوصول إلى مصادر الدعم والمشاركة في مجتمعاتهم. وقد توفر المساحات الرقمية لبعض الشباب شعوراً بالانتماء والتقبل، خاصة عندما لا يجدون الدعم نفسه في حياتهم اليومية.
وفي المقابل، لا تخلو البيئة الرقمية من المخاطر. فقد أبلغ بعض المشاركين عن التعرض لمحتوى ضار، أو مواجهة صعوبة في التحكم في الوقت الذي يقضونه أمام الأجهزة، إضافة إلى تجارب إلكترونية أثرت سلباً على حالتهم النفسية.
وقال الرئيس التنفيذي للجنة الوطنية للصحة النفسية، ديفيد ماكغراث، إن النتائج تؤكد ضرورة تجاوز النقاش التقليدي الذي يركز فقط على عدد ساعات استخدام الشاشات. فالأهم هو فهم ما يفعله الأطفال والشباب على الإنترنت، والمنصات التي يستخدمونها، ونوعية المحتوى الذي يشاهدونه، وكيف تؤثر هذه التجارب عليهم.
ويشير التقرير إلى أنه لا يمكن تطبيق حل واحد على جميع الأطفال والشباب، لأن تأثير التكنولوجيا يتأثر بعوامل عديدة، منها العمر والظروف الاجتماعية وطريقة تصميم المنصات والمحتوى الذي تقدمه، إلى جانب نقاط الضعف أو الاحتياجات الخاصة لدى كل شخص.
وتدعو الدراسة إلى تطوير مساحات رقمية أكثر أماناً وشمولاً تضع مصلحة الأطفال والشباب وصحتهم النفسية في قلب تصميم التكنولوجيا، مع الاعتماد على الأدلة العلمية وتجارب الشباب الفعلية عند وضع السياسات والقوانين المستقبلية.
