تتجه فرنسا نحو موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، بعدما دعت النقابات العمالية والحركات الاحتجاجية إلى تنظيم مظاهرات إضافية خلال الأيام المقبلة، في محاولة لزيادة الضغط على حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، وسط تصاعد الغضب بسبب الأوضاع الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية.
وجاءت هذه الدعوات عقب مظاهرات واسعة شهدتها البلاد يوم السبت 24 أكتوبر، وشارك فيها نحو 410 آلاف شخص، وفقاً لبيانات وزارة الداخلية الفرنسية. ورغم انتشار نحو 70 ألف شرطي في مختلف المدن، وقعت اشتباكات محدودة، لكنها كانت أقل حدة مقارنة بأعمال العنف والتخريب التي شهدتها البلاد في الأسبوع السابق.
النقابات تدعو إلى توسيع الاحتجاجات
أعلنت عدة منظمات نقابية عزمها مواصلة التحركات الشعبية، مع الدعوة إلى مظاهرات جديدة يوم 31 أكتوبر وإضراب عام في الخامس من نوفمبر.
وأكدت موريل غيلبير، القيادية في اتحاد نقابات سوليدير اليساري، أن حالة الاستياء لم تعد مقتصرة على الطلاب، بل امتدت إلى العمال والمعلمين ورجال الإطفاء وقطاعات اجتماعية أخرى.
وترى النقابات أن ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وتدهور بعض الخدمات العامة أصبحت عوامل مشتركة تدفع فئات مختلفة من الفرنسيين إلى النزول للشوارع.
كما أعلنت نقابة التعليم SUD Education مشاركتها في الاحتجاجات المقبلة، بينما يدرس الاتحاد العام للعمل CGT موقفه من التحركات الجديدة.
عودة السترات الصفراء إلى المشهد
عادت حركة السترات الصفراء، التي ظهرت عام 2018 احتجاجاً على زيادة الضرائب على الوقود، إلى الدعوة لتنظيم تجمعات شعبية واسعة.
وتشمل الدعوات إقامة اعتصامات أمام البلديات والجمعية الوطنية الفرنسية، في خطوة تعكس اتساع نطاق المعارضة الشعبية للسياسات الحكومية.
ويؤكد ناشطون أن الغضب أصبح واضحاً في الجامعات والمدارس والمناطق الريفية وأماكن العمل، ما يشير إلى أن الأزمة تتجاوز مطالب فئة اجتماعية واحدة.
خيارات محدودة أمام ماكرون
يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفاً صعباً، إذ تختلف الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية عن تلك التي سمحت له بتقديم تنازلات مالية خلال احتجاجات السترات الصفراء السابقة.
فالمالية العامة الفرنسية تعاني ضغوطاً متزايدة، الأمر الذي يحد من قدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب المتعلقة بالأجور والدعم والخدمات.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع اقتراب نهاية ولاية ماكرون الرئاسية في أبريل المقبل، وفقاً لما أورده التقرير، وفقدان تياره السياسي الأغلبية البرلمانية اللازمة لتمرير إصلاحات كبيرة بسهولة.
ورغم بدء الحكومة محادثات مع ممثلي النقابات والطلاب، فإن القيادات الاحتجاجية تعتبر الإجراءات المطروحة حتى الآن غير كافية لمعالجة أسباب الغضب.
تحديات أمنية وامتداد الاحتجاجات أوروبياً
أعلنت السلطات الفرنسية اعتقال 1314 شخصاً خلال مظاهرات السبت، فيما أصيب نحو 50 شرطياً، وفق الأرقام الرسمية.
وحذرت نقابات الشرطة من صعوبة استمرار الانتشار الأمني المكثف لفترات طويلة، بسبب نقص العناصر والضغوط المتزايدة على الأجهزة الأمنية.
ولا تقتصر الاضطرابات الاجتماعية على فرنسا، إذ شهدت بلجيكا مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة، بينما سُجلت احتجاجات واضطرابات في ألبانيا وإيطاليا.
ومع استمرار الدعوات إلى التظاهر والإضراب، تبدو الحكومة الفرنسية أمام اختبار جديد لقدرتها على احتواء الغضب الشعبي دون زيادة الضغوط على الاقتصاد أو تعميق الانقسامات السياسية.
ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت المفاوضات ستنجح في تهدئة الشارع، أم أن فرنسا مقبلة على مرحلة أطول من المواجهات الاجتماعية والسياسية.
