في خطوة عسكرية لافتة، أعادت الصين تسليط الضوء على تنامي قدراتها العسكرية والنووية بعد تنفيذها اختباراً غير مسبوق لصاروخ باليستي عابر للقارات أُطلق من غواصة تعمل بالطاقة النووية في المحيط الهادئ. ورغم تأكيد بكين أن الصاروخ حمل رأساً حربياً وهمياً ولم يكن موجهاً ضد أي دولة، فإن الاختبار أثار موجة من القلق في منطقة المحيط الهادئ وبين حلفاء الولايات المتحدة، وعلى رأسهم أستراليا.
ويُعد هذا الإطلاق الأول من نوعه الذي تنفذه الصين من غواصة نووية في مياه المحيط الهادئ، ما يعكس مستوى متقدماً من تحديث ترسانتها العسكرية ويؤكد تطور قدراتها في مجال الردع النووي. وتشير تقارير إلى أن مسار الصاروخ مر فوق عدد من دول المحيط الهادئ قبل أن يسقط في منطقة قريبة من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لتوفالو، وهي منطقة تشهد تنافساً متزايداً بين الصين والدول الغربية على النفوذ السياسي والأمني.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه بكين تعزيز حضورها الدبلوماسي والعسكري في دول الجنوب العالمي، بالتوازي مع توسع نفوذها الاقتصادي حول العالم. كما أنها تواصل استثمار موارد ضخمة في تطوير قواتها البحرية والجوية وزيادة مخزونها من الصواريخ والأسلحة النووية، في إطار استراتيجية تهدف إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة.
وتشير تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن الصين تمتلك حالياً أكثر من 600 رأس نووي، مع توقعات بارتفاع العدد إلى أكثر من ألف رأس نووي جاهز للعمل بحلول عام 2030. كما يرى محللون أن الصاروخ المستخدم في الاختبار قد يكون من طراز JL-3، وهو أحدث صاروخ باليستي تطلقه الغواصات الصينية، ويُعتقد أن مداه يتجاوز 10 آلاف كيلومتر، ما يضع أستراليا وعدداً كبيراً من دول المنطقة ضمن نطاقه المحتمل.
وكان معهد لوي الأسترالي قد حذر في تقرير حديث من التوسع السريع في القدرات العسكرية الصينية، مشيراً إلى أن بكين أصبحت تمتلك القدرة على استهداف طرق التجارة البحرية، والكابلات البحرية، والبنية التحتية الحيوية، مع تطور مستمر في إمكاناتها لضرب الأراضي الأسترالية بالصواريخ بعيدة المدى.
ورغم تأكيد الصين أن الاختبار لا يستهدف أي دولة بعينها، فإن توقيته أثار العديد من التساؤلات، خاصة أنه جاء بالتزامن مع توقيع اتفاقية أمنية جديدة بين أستراليا وفيجي تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني في مواجهة التحديات الإقليمية، ومنها تنامي النفوذ الصيني.
ردود الفعل الدولية جاءت سريعة، إذ وصفت أستراليا ونيوزيلندا الاختبار بأنه خطوة مقلقة وغير مرحب بها، محذرتين من تحول مثل هذه التجارب إلى أمر اعتيادي في المنطقة. كما دعت الولايات المتحدة الصين إلى الدخول في حوار جاد بشأن الحد من التسلح وتعزيز الشفافية في برامجها العسكرية.
ويرى مراقبون أن الاختبار لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المنافسة الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتزايد محاولات القوى الكبرى لترسيخ نفوذها. وبينما تؤكد بكين أن تطويرها العسكري يهدف إلى حماية أمنها القومي، تعتبر دول عديدة في المنطقة أن هذه التحركات تمثل تحدياً جديداً للاستقرار الإقليمي، وتفرض واقعاً أمنياً أكثر تعقيداً في السنوات المقبلة.
