تشهد تقنيات العلاج الجيني تطوراً متسارعاً، وتبرز تقنية CRISPR باعتبارها واحدة من أهم الأدوات العلمية التي قد تغير طريقة التعامل مع عدد من الأمراض الوراثية والمزمنة. فبدلاً من الاعتماد فقط على الأدوية لتخفيف الأعراض، يسعى العلماء إلى التدخل في الجينات نفسها ومعالجة بعض المشكلات من مصدرها.

وتعتمد CRISPR على إمكانية الوصول إلى أجزاء محددة من الحمض النووي DNA وإجراء تعديلات دقيقة عليها. ورغم أن الفكرة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، فإن السنوات الأخيرة شهدت انتقال التقنية من المختبرات إلى تطبيقات علاجية حقيقية.

من الزراعة إلى علاج الإنسان

لا تقتصر استخدامات تعديل الجينات على الطب. ففي القطاع الزراعي، يدرس الباحثون الاستفادة منها لتطوير محاصيل تتمتع بصفات أفضل، مثل مقاومة بعض الأمراض وتحسين الإنتاجية.

لكن التطبيقات الطبية هي التي تحظى بالاهتمام الأكبر، خصوصاً مع إمكانية استخدام التقنية مستقبلاً في مواجهة أمراض ترتبط بخلل أو طفرات جينية محددة.

الخلايا المنجلية.. نقطة تحول مهمة

جاء أحد أبرز الإنجازات في مجال مرض الخلايا المنجلية، حيث استخدم العلماء تقنية CRISPR لتعديل الخلايا الجذعية المكوّنة للدم بطريقة تساعد على زيادة إنتاج الهيموغلوبين الجنيني، وبالتالي الحد من المشكلات الناتجة عن تكوّن خلايا الدم الحمراء المنجلية.

وفي عام 2023، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على أول علاج لمرض الخلايا المنجلية يعتمد على تقنية CRISPR، وهو تطور نقل تعديل الجينات خطوة كبيرة نحو الاستخدام الطبي الفعلي.

علاج صُمم لطفل واحد

وفي تطور آخر خلال عام 2025، استخدم باحثون علاجاً جينياً مخصصاً لطفل يعاني اضطراباً أيضياً نادراً يعرف باسم نقص CPS1.

وبعد تلقي العلاج، أظهرت حالة الطفل مؤشرات مشجعة، من بينها القدرة على تناول كمية أكبر من البروتين وتقليل جرعات بعض الأدوية المستخدمة للسيطرة على المرض. وأثار ذلك اهتماماً واسعاً بإمكانية تصميم علاجات جينية تناسب الاحتياجات الفردية للمرضى، بما في ذلك المصابون بأمراض شديدة الندرة.

هل تصل التقنية إلى أمراض القلب؟

لم تتوقف التجارب عند الأمراض الوراثية النادرة. فقد أظهرت أبحاث حديثة إمكانية استخدام تعديل الجينات للتأثير على مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية.

وتشير النتائج الأولية لبعض الدراسات إلى إمكانية تحقيق انخفاض ملحوظ ومستمر في هذه المستويات لدى بعض المرضى. وإذا أكدت الدراسات الأكبر والأطول مدى سلامة وفاعلية هذا النهج، فقد يضيف مستقبلاً خياراً جديداً للتعامل مع بعض عوامل خطر أمراض القلب.

التكلفة ما زالت عقبة كبيرة

رغم النتائج الواعدة، فإن تحويل CRISPR إلى علاج متاح على نطاق واسع ليس أمراً بسيطاً. فبعض العلاجات الجينية الحالية باهظة التكلفة، وقد يصل سعر العلاج الواحد إلى ملايين الدولارات.

كما أن تطبيق هذه العلاجات يحتاج إلى مستشفيات ومختبرات متخصصة، إضافة إلى فرق طبية وعلمية مدربة ومتابعة دقيقة للمريض. وهذا يجعل توسيع نطاق استخدامها أكثر تعقيداً من إنتاج دواء تقليدي يمكن توزيعه على نطاق واسع.

مستقبل واعد ولكن الطريق ما زال طويلاً

تقدم CRISPR مثالاً واضحاً على السرعة التي يتطور بها الطب الحديث. فمن علاج أمراض الدم الوراثية إلى التجارب المتعلقة بالأمراض النادرة والكوليسترول، تتسع المجالات التي يختبر فيها العلماء إمكانات تعديل الجينات.

ومع ذلك، فإن نجاح التقنية مستقبلاً لن يعتمد على الاكتشافات العلمية وحدها، بل أيضاً على إثبات السلامة على المدى الطويل، وخفض التكلفة، وتوفير البنية الطبية اللازمة، وضمان وصول المرضى إلى هذه العلاجات.

وقد لا تكون CRISPR حلاً لجميع الأمراض، لكنها تمثل تحولاً مهماً في فكرة العلاج نفسها: من التعامل مع أعراض المرض إلى محاولة التدخل في أسبابه الجينية الأساسية.