تعود روما اليوم للاحتفاء بذكرى أديبها «المتمرد» ألبرتو مورافيا، وذلك في الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيله. مورافيا، صاحب رواية «السأم»، الذي رحل شاب الروح في التسعينات من عمره، تميز بشهادته على جمال روما ومقاهيها ومكتباتها وأسرار عبث سكانها. تستحضر المدينة الخالدة فصول العشق والحقد التي مرت بها حياة الأديب، الذي أحبّ روما «أكثر من كل النساء» وفقاً لما قاله يوماً لصديقه المقرب بيير باولو بازوليني.

في مثل هذه الأيام الخريفية قبل 35 عاماً، وقف الفيلسوف والأديب أمبرتو إيكو أمام نعش صديقه مورافيا، محاطاً بثلّة من الأدباء والسينمائيين والصحافيين. إيكو، الذي سبق مورافيا سارتر وكامو إلى الوجودية، خاطب صديقه بدموع متلألئة: «عزيزي ألبرتو، أعطيتنا صورة منحوتة من رخام الزمن، حيّة ومسكونة بالألغاز كتماثيل جزيرة الفصح… واليوم، قبل الوقوع في فخ الابتذال عند الحديث عن أعمالك المبهرة، من واجبنا أن نلوذ بصمت إعادة قراءتك لنكتشف تلك الرؤية الثالثة التي ربما حتى أنت لم تكن تعرفها».

كما أشاد به السينمائي برتولوتشي قائلاً: «شكراً لأنك لم تبع نفسك للسلطة حتى رحيلك إلى الأراضي التي لا عودة منها».

أسرار وحوارات مورافيا ونساء حياته

نهاية الأسبوع الماضي، نظمت بلدية روما ندوة لتكريم مورافيا. خلال الندوة، فاجأت الصحافية والكاتبة دينا ديسا المجتمع الأدبي بنشرها «حوارات سريّة» جمعتها بالأديب على مدى أكثر من 20 عاماً، متحدثة عن «نساء مورافيا» اللواتي «من دونهن لا يمكن أن نفهم هذا الكاتب الفذّ الذي ما زلنا في المراحل الأولى من اكتشاف عبقريته».

تصف ديسا هذه الحوارات بأنها ثمرة صداقة متينة بدأت عندما زارت بيته في روما لإجراء مقابلة صحافية وهي في العشرين من عمرها، واستمرت دون انقطاع حتى وفاته. تناولت اللقاءات جميع مواضيعه المفضلة: الجنس، الغواية، اللاوعي، الغيرة، الإيمان، الفن، والمرأة. هذه العلاقة المديدة، وفقاً لديسا، بقيت سراً حتى عن أقرب أصدقائه. وقد بدأت بعد أسابيع قليلة من زواجه الثاني، واستمرت لقاءاتهما في روما ومنزله على البحر حيث كان يترك لها غرفة نومه وينام في مكتبه ليوقظها عند الفجر ويتحدث معها عن الموت.

عندما تزوج مورافيا عام 1986 من الإسبانية كارمن لييرا، التي كانت محاضرة جامعية، كان يبلغ من العمر ثمانين عاماً وهي في الثامنة والثلاثين. بعد عامين من زواجهما، نشرت لييرا كتابها «جورجيت»، مهدية إياه لزوجها، تروي فيه تفاصيل علاقة حب عاصفة ربطتها بالزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط، الذي تعرفت إليه في أحد فنادق أوسلو خلال مشاركة مورافيا في اجتماع للمنظمة الاشتراكية الدولية. وصفت لييرا حيثيات تلك العلاقة التي تنقلت بين روما والمختارة ودمشق وجنيف، وكيف خفت جذوتها لاحقاً.

عندما وصلها نبأ وفاة مورافيا وهي في المغرب، سارعت كارمن إلى روما لتصل قبل دقائق من الجنازة، وركعت أمام جثمانه، وقبّلته على فمه، متمتمة «ألبرتو، ألبرتو!».

في وصيته، ترك مورافيا نصف ثروته لكارمن، والنصف الآخر لرفيقته الكاتبة داريا ماراييني التي عاشت معه عقدين، وتمنى على الاثنتين الاهتمام بشقيقتيه.

الزواج الأول والصداقة المثلثة

لكن العلاقة الأهم في حياة مورافيا كانت زواجه الأول من الكاتبة المعروفة إلسا مورانتي. بعد مرحلة أولى كانا فيها رمزاً للحياة الأدبية الإيطالية الخارجة من الفاشية والحرب العالمية، انتهى الزواج بخلافات عميقة سببت معاناة شديدة لها. وكان المخرج السينمائي بيير باولو بازوليني ثالث تلك العلاقة، حيث رافقهما في رحلاتهما إلى عواصم وبلدان عديدة كالهند والاتحاد السوفياتي وكوبا، والتي تناولها مورافيا في مؤلفاته ومقالاته الصحافية.

تساءل أمبرتو إيكو باندهاش عن سر هذه الشخصية في كتاباته: «كيف كان مورافيا قادراً على التوفيق بين طاقته الجامحة وإقباله على الحياة من جهة، والملل الذي كان يسكن في أعماق روحه المضطربة؟! هذا كان سرّه الأكبر الذي رحل معه… رغبة في الحياة تفوق أي شيء آخر».

نشأة وأعمال المتمرد

شهد مورافيا النور في روما عام 1907. بعد طفولة متعثرة صحياً، أصيب في شبابه بمرض السلّ الذي اضطره لدخول مصحّ لسنوات. استغل تلك الفترة لقراءة أعمال الكبار من شكسبير وموليير ومالارميه وجويس ودوستويفسكي، وتعلم الفرنسية والألمانية. غادر المصحّ عام 1925 وتفرّغ للكتابة، ليصدر روايته الأولى «اللامبالون» التي سرعان ما لاقت رواجاً واسعاً وتُرجمت إلى لغات عدة.

عندما بدأ نجمه يلمع بمقالاته الصحافية في صحيفة «لاستامبا»، دعته جامعة كولومبيا في نيويورك لإلقاء سلسلة من المحاضرات حول الحركة الوجودية، أثارت اهتماماً واسعاً. خلال الحرب، نشر مورافيا أهمّ رواياته مثل «الرومانية» و«آغوستينو»، واستمر يكتب بانتظام في صحف كبرى مثل «كوريري دي لا سيرا» حتى وفاته.

بعد نيله عدداً كبيراً من الجوائز الأدبية، نُقلت روايات عدة له إلى السينما على يد كبار المخرجين الإيطاليين والأوروبيين مثل فيتوريو دي سيكا ولويجي زامبيا وبرتولوتشي وجان لوك غودار.

في آخر مقابلة صحافية له قبل أسابيع من وفاته، قال مورافيا: «ليس سهلاً القول بمن تأثرت أعمالي الأدبية. ربما تأثرت بدوستويفسكي وجويس من حيث تقنية السرد… «الجريمة والعقاب» كانت منارة أدبية بالنسبة إليَّ. أعجبت كثيراً برامبو وبودلير، وتأثرت من المعاصرين بكونراد وستيفنسون وفيرجينيا وولف، وأيضاً بتشارلز ديكنز الذي في اعتقادي لم يبدع إلا في «أوراق مقهى بيكفيك»، وما تبقّى عنده لا قيمة له بنظري».