عاد الجدل حول التعديل الجيني للأجنة البشرية إلى الواجهة مجدداً بعد إعلان فريق من الباحثين الأمريكيين عن نجاحهم في إجراء تعديلات دقيقة على أجنة بشرية في مراحلها الأولى من النمو، في خطوة أثارت مخاوف واسعة داخل الأوساط العلمية بشأن مستقبل هذه التكنولوجيا وإمكانية استخدامها لأغراض تتجاوز العلاج الطبي.
الدراسة الجديدة، التي لم تخضع بعد للمراجعة العلمية الرسمية، أجراها باحثون من جامعة كولومبيا باستخدام تقنية تُعرف باسم “التحرير القاعدي” (Base Editing)، وهي نسخة أكثر دقة من تقنيات التعديل الجيني التقليدية. واستهدفت التجارب جينات مرتبطة بتنظيم الكوليسترول وإنتاج الهيموغلوبين الجنيني، بهدف دراسة إمكانات التقنية وليس علاج أمراض وراثية محددة.
ورغم أن الأجنة المستخدمة لم تكن مخصصة للحمل أو الولادة، إلا أن الإعلان أثار قلق عدد من الخبراء الذين يرون أن مثل هذه الأبحاث قد تمهد الطريق مستقبلاً لاستخدام التعديل الجيني في تحسين الصفات البشرية، بدلاً من الاقتصار على علاج الأمراض الوراثية.
ويؤكد الباحثون المشاركون في الدراسة أن هدفهم الأساسي هو توسيع المعرفة العلمية وفهم كيفية عمل تقنيات التعديل الجيني داخل الأجنة البشرية. كما شددوا على أن التطبيق السريري لهذه التكنولوجيا ما زال بعيداً، وأن هناك تحديات تقنية وأخلاقية كبيرة يجب تجاوزها قبل التفكير في استخدامها على البشر.
في المقابل، يرى منتقدون أن هذه التجارب لا تقدم دليلاً كافياً على سلامة التقنية، خاصة أن الأجنة أظهرت في بعض الحالات اختلافات جينية بين الخلايا، وهي ظاهرة تُعرف بـ”الفسيفسائية الجينية”، والتي قد تؤدي إلى نتائج غير متوقعة إذا تم استخدامها في المستقبل لأغراض الإنجاب.
ويعيد هذا التطور إلى الأذهان القضية الشهيرة التي هزت العالم عام 2018 عندما أعلن العالم الصيني هي جيانكوي ولادة أول طفلين خضعا لتعديل جيني أثناء مرحلة الجنين، وهو ما أثار استنكاراً دولياً واسعاً وانتهى بسجنه بسبب مخالفته القوانين الطبية.
ويرى خبراء الأخلاقيات أن القضية الحالية تكشف الحاجة إلى وضع ضوابط أكثر وضوحاً وصرامة لتنظيم أبحاث التعديل الجيني، خاصة في ظل التطور السريع لهذه التقنيات. فبينما تحمل هذه الأدوات أملاً كبيراً لعلاج أمراض وراثية مستعصية، يبقى الخوف قائماً من أن تتحول مستقبلاً إلى وسيلة لاختيار أو تحسين الصفات البشرية، وهو ما يفتح الباب أمام تحديات أخلاقية واجتماعية معقدة لم يحسم العالم موقفه منها حتى الآن.
