يمتلئ معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتيك) بالمبتكرين الذين يصيغون المستقبل، من الأدوات الطبية الدقيقة إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي. لكن خلف كل قفزة تقنية معاصرة، يمتد نسب علمي يعود إلى قرون مضت. هذا الرابط بين الماضي والحاضر هو جوهر عمل الباحث كريستيانو زانيتي.
مهمة تعليمية لجيل المستقبل
تم اختيار زانيتي كأول زميل باحث لتدريس تاريخ العلوم والتكنولوجيا في “كالتيك” لعام 2025. يهدف برنامجه إلى تعليم المهندسين الشباب أن الابتكار لا يحدث في فراغ، بل هو نتاج سياق اجتماعي وتاريخي.
-
الهدف: تمكين الطلاب من استلهام أفكار الرواد الأوائل وتحدي الروايات التاريخية السائدة.
-
المقررات: “أدوات المعرفة من العصور القديمة إلى العصر الحديث” و”ليوناردو دافنشي وشركاه”.
من علم الآثار إلى فلسفة الهندسة
بدأ زانيتي مسيرته كعالم آثار، حيث ساهم في تحليل جدران كاتدرائية “كريمونا” بإيطاليا لتحديد الأجزاء التي صمدت أمام زلزال عام 1117. هذا العمل الميداني دفعه للتساؤل عن كيفية اتخاذ القرارات الهندسية الكبرى، مما قاده للحصول على الدكتوراه في تاريخ العلوم.
أثناء أبحاثه، أعاد اكتشاف المهندس جانيلو تورياني، الذي بنى أعقد آلات عصر النهضة لملوك إسبانيا، لكن إنجازاته طُمست لاحقاً بسبب الدعاية السياسية المضادة لإسبانيا آنذاك (الأسطورة السوداء).
مفهوم “المهندس المعماري”: الجسر بين النظرية والتطبيق
يوضح زانيتي أن مصطلح “مهندس” في عصر النهضة كان مرادفاً لـ “معماري” أو حتى “صانع ساعات”. لم تكن هناك مدارس هندسة، بل كان المبتكرون يتخرجون من نقابات النجارة أو الحدادة أو الرسم.
المعادلة الذهبية للابتكار (مستوحاة من “فيتروفيوس”): يعتقد زانيتي، مستشهداً بالمهندس الروماني فيتروفيوس، أن الابتكار الحقيقي يقع في المنطقة الوسطى:
-
الحرفي فقط: ينفذ تصميمات الآخرين دون تجديد.
-
المثقف فقط: يمتلك أفكاراً نظرية لكنه يعجز عن تطبيقها.
-
المبتكر (المهندس المعماري): هو من يجمع بين النظرية والممارسة لتحويل الخيال إلى واقع ملموس.
فلورنسا: مصنع العقول للعالم
كانت فلورنسا (1400–1600) المختبر الأول الذي صدر المهندسين لجميع أنحاء أوروبا. هؤلاء الرواد، وعلى رأسهم ليوناردو دافنشي، طبقوا الهندسة الرياضية على المشكلات الطبيعية، واعتبروا الظواهر الكونية بمثابة آلات ميكانيكية معقدة.
يستفيد زانيتي حالياً من مجموعات “مكتبة هانتينغتون” النادرة لدراسة المخطوطات التي شكلت فكر علماء مثل غاليليو غاليلي، باحثاً في كيفية تطور مهنة الهندسة من رحم الأكاديميات الفلورنتينية لتصبح الحجر الأساس للعلم الحديث.
