في لحظات الوداع التي يغلفها الصمت والانكسار، قرر الوزير الأردني السابق مثنى الغرايبة وزوجته الفنانة أناهيد فياض أن يخطّا فصلاً مختلفاً من العطاء. فبينما كان الحزن يعتصر القلوب على رحيل نجلهما الشاب “كرم”، اختار الوالدان أن يحولا هذا الألم إلى بارقة أمل لآخرين، معلنين التبرع بقرنيتي ابنهما الراحل، لتكون عيناه نافذة يبصر من خلالها شخص آخر جمال الدنيا من جديد.


قرارٌ يتجاوز الوجع

لم تكن المبادرة مجرد إجراء طبي، بل كانت رسالة إيمان عميقة بأن الموت ليس دائماً نهاية المطاف. بعد رحيل كرم في مطلع هذا الشهر، لم يستسلم والداه لمرارة الفقد، بل اختارا أن يمنحا “نعمة الإبصار” لمن فقدها، في خطوة تعكس وعياً إنسانياً رفيعاً بأهمية ثقافة التبرع بالأعضاء، وكيف يمكن لقرار في لحظة وداع أن يغير مصير إنسان آخر تماماً.

شهادة من قلب الحدث

يروي الدكتور محمد عبد الحميد القضاة، عميد كلية الطب في الجامعة الهاشمية، تفاصيل تلك اللحظات المؤثرة. ففي منشور يفيض بالتقدير، كشف القضاة أن الغرايبة تواصل معه فور وقوع الوفاة لإتمام إجراءات التبرع. وعلق القضاة على ذلك قائلاً إن هذا الفعل النبيل سيمنح شخصاً ما القدرة على الرؤية لسنوات طويلة، واصفاً القرار بأنه تجسيد حي لأسمى قيم التكافل البشري.


نحو منظومة وطنية للعطاء

هذه الحادثة فتحت الباب مجدداً للنقاش حول واقع التبرع بالأعضاء في الأردن. ورغم الكفاءة الطبية العالية والكوادر المتخصصة، إلا أن هناك دعوات متزايدة لتنظيم هذا الملف بشكل أكثر سلاسة. وفي هذا السياق، اقترح الدكتور القضاة:

  • تفعيل خيار “التبرع بالأعضاء” عبر تطبيق “سند” الحكومي.

  • تسهيل تسجيل الراغبين في التبرع بعد وفاتهم بشكل قانوني ورسمي.

  • اعتبار هذا الفعل نوعاً من “الصدقة الجارية” التي تنقذ أرواحاً أو تحسن جودة حياة المرضى.

الخلاصة: الموت الذي يمنح الحياة

إن ما أقدم عليه مثنى الغرايبة وأناهيد فياض هو دعوة صامتة لكل واحد منا؛ دعوة لتحويل الفقد إلى حياة، والحزن إلى صدقة. فالتبرع بالأعضاء ليس مجرد نقل لنسجة أو قرنية، بل هو استمرارية لروح العطاء التي تجعل من رحيل إنسان بداية لقصة نجاح وإبصار لإنسان آخر.