تشعر بعض الأمهات بالحيرة أو الحزن عندما يلاحظن أن الطفل يميل إلى والده أكثر في بعض المواقف، كأن يطلب اللعب معه دائمًا أو يرفض الذهاب إلى أمه في لحظة معينة. وقد يبدو هذا التصرف وكأنه تقليل من مكانة الأم أو ضعف في علاقتها بطفلها، لكن علماء النفس يرون الأمر بطريقة مختلفة تمامًا.
في الحقيقة، تعلق الطفل بأحد الوالدين في مرحلة معينة لا يعني غياب الحب للطرف الآخر، بل يرتبط بطبيعة احتياجاته النفسية والعاطفية خلال تلك الفترة. فالطفل بطبيعته يبحث عن الأمان والتجربة في الوقت نفسه، وقد يجد في الأب مساحة للمرح والحركة والاستكشاف، بينما يرى في الأم مصدر الراحة والاحتواء والطمأنينة.
ويؤكد المتخصصون في علم نفس الطفل أن العلاقة مع الوالدين ليست منافسة، بل شبكة متكاملة من الارتباط العاطفي. فقد يركض الطفل نحو والده أثناء اللعب، لكنه يعود إلى أمه عند التعب أو الخوف أو المرض. وهذا التنقل طبيعي جدًا ويعكس شعوره بالأمان مع كلا الطرفين.
كما أن بعض المراحل العمرية، خاصة بعد عمر السنتين، تدفع الطفل لاختبار استقلاليته واتخاذ قراراته الخاصة. لذلك قد يظهر التفضيل المؤقت لأحد الوالدين كجزء من رغبته في التحكم واكتشاف حدود علاقاته بالآخرين، وليس بسبب رفض حقيقي للطرف الآخر.
أما الأم، فمن الطبيعي أن تتأثر بهذا السلوك، خصوصًا إذا كانت تتحمل الجزء الأكبر من الرعاية اليومية. فالعلاقة العاطفية العميقة تجعل أي ابتعاد مؤقت يبدو مؤلمًا، رغم أن الطفل في داخله لا يزال مرتبطًا بها بشكل قوي وثابت.
ويرى الخبراء أن الأمر لا يدعو للقلق إلا إذا تحول إلى رفض دائم ومبالغ فيه، أو ترافق مع تغيرات نفسية وسلوكية واضحة لدى الطفل، مثل القلق الشديد أو الانعزال المفاجئ.
وللتعامل مع هذه المرحلة بشكل صحي، تنصح الأمهات بعدم الدخول في منافسة مع الأب أو أخذ الأمر بشكل شخصي، بل الاستمرار في منح الطفل الحب والاهتمام بهدوء، وبناء لحظات خاصة تجمعهما معًا. فالعلاقة الآمنة لا تُقاس بعدد المرات التي يختار فيها الطفل أحد والديه، بل بمدى شعوره الدائم بالاحتواء والدعم.
في النهاية، تفضيل الطفل للأب أحيانًا لا يعني تراجع مكانة الأم، بل هو جزء طبيعي من نموه النفسي والعاطفي، ومع مرور الوقت تتوازن علاقته بوالديه ليشعر بأن لكل منهما دورًا مختلفًا ومهمًا في حياته.
