مع تطور الحروب الحديثة، لم تعد المعارك تقتصر على خطوط المواجهة التقليدية، بل امتدت لتشمل البنية التحتية الطبية نفسها. ففي الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، أصبحت المستشفيات وسيارات الإسعاف وحتى الطواقم الطبية أهدافاً متكررة للهجمات، ما دفع أوكرانيا إلى البحث عن طرق جديدة لإنقاذ الجنود المصابين وسط ظروف شديدة الخطورة.

ومن هنا ظهرت فكرة المستشفيات العسكرية تحت الأرض، وهي منشآت طبية محصنة يتم إنشاؤها بالقرب من الجبهات القتالية، بهدف تقديم الإسعافات والعمليات الجراحية العاجلة دون الحاجة إلى نقل المصابين لمسافات طويلة قد تكون قاتلة في ظل هجمات الطائرات المسيّرة والقصف المستمر.

منظمة الصحة العالمية وثقت منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية آلاف الهجمات على المرافق الصحية، في انتهاك واضح للقوانين الدولية التي تحمي المنشآت الطبية أثناء النزاعات. هذا الواقع أجبر أوكرانيا على تطوير نظام طبي عسكري جديد يعتمد على منشآت مدفونة تحت الأرض وقادرة على مواصلة العمل حتى أثناء القصف.

وفي عام 2024، افتتحت أوكرانيا أول مستشفى عسكري تحت الأرض قرب خطوط القتال، بالتعاون مع مجموعة “ميتإنفست” الصناعية. المستشفى بُني باستخدام ستة ملاجئ فولاذية ضخمة، مجهزة بأنظمة تهوية وكهرباء ومياه وصرف صحي، إضافة إلى تقنيات للحماية الإلكترونية وتقليل إمكانية اكتشاف الموقع من قبل الطائرات المسيّرة.

ورغم أن مساحة المستشفى لا تتجاوز 500 متر مربع، فإنه يضم غرفتي عمليات، ووحدات إنعاش، ومعدات طبية متطورة تشمل أجهزة تنفس صناعي وأجهزة مراقبة قلب وصدمات كهربائية وأدوات جراحية حديثة. ويستطيع الطاقم الطبي إجراء عدة عمليات في الوقت نفسه ومعالجة أكثر من 100 مصاب يومياً بحسب التقديرات العسكرية الأوكرانية.

نجاح التجربة دفع أوكرانيا إلى إنشاء مستشفى ثانٍ أكثر تطوراً خلال عام 2025، في إحدى أخطر مناطق القتال. وتم دفن المنشأة الجديدة على عمق يتجاوز ستة أمتار تحت الأرض مع إضافة طبقات حماية إضافية وأنظمة تمويه متقدمة. كما تضم أقساماً للجراحة والإنعاش وحتى غرفة ولادة ومنطقة راحة للطواقم الطبية.

ويعمل داخل هذه المنشآت فرق متخصصة من الجراحين وأطباء التخدير والممرضين، بهدف تقديم الرعاية الفورية للجنود المصابين قبل نقلهم إلى مستشفيات أكبر وأكثر أمناً بعيداً عن خطوط النار.

ويرى خبراء عسكريون أن هذه المستشفيات قد تمثل بداية مرحلة جديدة في الطب الحربي، خاصة مع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة والأسلحة الدقيقة التي جعلت المستشفيات التقليدية أهدافاً سهلة. كما أن العودة إلى فكرة المنشآت الطبية المحصنة تعكس كيف أعادت التكنولوجيا الحديثة تشكيل مفاهيم الحرب والإنقاذ الطبي معاً.

ورغم أن فكرة العلاج تحت الأرض ليست جديدة بالكامل، إذ ظهرت خلال الحرب العالمية الأولى مع انتشار الخنادق والقصف المدفعي الكثيف، فإن النسخة الحديثة أصبحت أكثر تطوراً وتعقيداً بفضل التقنيات الطبية وأنظمة الحماية الإلكترونية المستخدمة حالياً.