تشهد أستراليا ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الأشخاص الذين يتناولون أدوية مرتبطة بالصحة النفسية، وسط نقاش متزايد بين الأطباء والخبراء حول أساليب التشخيص وجودة المتابعة العلاجية، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
وتكشف أحدث البيانات الصحية أن نحو واحد من كل خمسة أستراليين يتلقى وصفات طبية لأدوية علاج الاكتئاب أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) أو غيرها من الأدوية المرتبطة بالصحة النفسية. ويبرز بشكل خاص الارتفاع الكبير في استخدام أدوية اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه خلال السنوات العشر الماضية.
ووفقاً للإحصاءات الحديثة، فإن نحو 10% من الأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاماً تلقوا أدوية منشطة لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه خلال العام المالي 2025. كما ارتفع عدد الأشخاص الذين يستخدمون هذه الأدوية إلى أكثر من 760 ألف شخص، مقارنة بنسبة كانت أقل بكثير قبل عقد من الزمن.
ويرى عدد من المختصين أن هذا الارتفاع السريع يعود إلى عدة عوامل، من بينها زيادة الوعي بالاضطراب، وانتشار خدمات الاستشارات الطبية عبر الإنترنت، إضافة إلى التعديلات التنظيمية في بعض الولايات الأسترالية التي سمحت للأطباء العامين بالمشاركة في تشخيص الحالة ووصف العلاج، بعدما كان ذلك مقتصراً على الأطباء النفسيين وأطباء الأطفال المتخصصين.
ورغم أهمية توفير العلاج لمن يحتاجه، فإن بعض الخبراء يحذرون من أن سهولة الوصول إلى الأدوية قد تؤدي أحياناً إلى الإفراط في وصفها دون متابعة كافية. ويؤكد أطباء نفسيون أن التحدي لا يكمن فقط في بدء العلاج، بل في تقييم فعاليته بشكل مستمر ومراجعة الحاجة إلى استمراره على المدى الطويل.
وفي المقابل، لا تزال مضادات الاكتئاب تمثل الفئة الأكثر استخداماً بين الأدوية النفسية، حيث يتم صرفها لنحو 14% من السكان، مع تسجيل معدلات أعلى بين النساء مقارنة بالرجال. بينما شهد استخدام بعض الأدوية الأخرى مثل المهدئات ومضادات الذهان انخفاضاً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة.
كما أظهرت البيانات وجود فروقات بين الولايات الأسترالية، حيث سجلت تسمانيا أعلى معدلات استخدام لهذه الأدوية، تلتها كوينزلاند، فيما جاءت نيو ساوث ويلز وفيكتوريا بمعدلات أقل نسبياً.
ويأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه الحكومة الأسترالية ضغوطاً متزايدة للسيطرة على التكاليف المرتفعة لبرنامج التأمين الوطني للإعاقة (NDIS)، والذي يشهد ارتفاعاً في أعداد المستفيدين من المصابين بالتوحد أو الاضطرابات النفسية والاجتماعية. وقد أثارت خطط تقليص الإنفاق مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى صعوبة حصول بعض المرضى على الدعم والخدمات التي يحتاجون إليها.
ويؤكد المتخصصون أن تحسين خدمات التشخيص والمتابعة وتوفير بدائل علاجية ودعم نفسي مستمر يمثل الطريق الأمثل لتحقيق التوازن بين تلبية احتياجات المرضى وضمان الاستخدام المسؤول للأدوية النفسية في المجتمع الأسترالي.
