في وقت تتسابق فيه مراكز الاستجمام والعافية حول العالم لتقديم تجارب جديدة للباحثين عن الهدوء النفسي، برزت مؤخراً ظاهرة غريبة تقوم على فكرة بسيطة للغاية: الانفصال التام عن العالم وقضاء أيام كاملة في الظلام.

العالمة الأمريكية كيانا أران، المتخصصة في الهندسة الحيوية والأبحاث الصحية، قررت خوض هذه التجربة المثيرة داخل كوخ مخصص للعزلة في بولندا، حيث أمضت خمسة أيام متواصلة دون أي ضوء أو أصوات أو وسائل ترفيه أو تواصل مع العالم الخارجي، باستثناء وجبات الطعام التي كانت تصل إليها عبر صندوق مغلق يمنع تسرب الضوء.

ورغم أن الهدف المعلن لمثل هذه التجارب هو التأمل واكتشاف الذات، فإن أران دخلت التجربة بدافع علمي بحت. فقد أرادت معرفة تأثير غياب المؤثرات الخارجية على جسم الإنسان وعقله، لذلك زودت نفسها بأجهزة استشعار لمراقبة النوم ومعدل ضربات القلب وضغط الدم ومستويات السكر، إلى جانب أدوات لقياس التغيرات البيولوجية المختلفة في جسمها.

في البداية بدت التجربة مريحة وممتعة. فقد استمتعت بنوم هادئ وشعرت براحة نفسية نتيجة الابتعاد عن الهاتف والكمبيوتر وضغوط الحياة اليومية. لكن هذه المشاعر الإيجابية لم تستمر طويلاً.

بحلول اليوم الثاني بدأت تشعر بصعوبة مرور الوقت، وفقدت الإحساس بالساعات والأيام. أما في اليوم الثالث فقد أصبحت حالتها أكثر تعقيداً بعد اضطراب الساعة البيولوجية لديها بشكل كامل، حتى إنها لم تعد قادرة على التمييز بين الليل والنهار.

الأمر الأكثر غرابة كان ظهور مشاهد وصور بصرية أمامها رغم وجودها في ظلام دامس. وهي ظاهرة أبلغ عنها كثير من الأشخاص الذين خاضوا تجارب مماثلة حول العالم.

ورغم أن هذه الخلوات المظلمة أصبحت موضة جديدة بين بعض المشاهير والرياضيين ورواد الأعمال، فإن جذورها تعود إلى ممارسات روحية قديمة استخدمتها ثقافات وأديان مختلفة للتأمل والصلاة والسعي نحو التنوير الروحي.

ويحذر عدد من الباحثين من أن العزلة الحسية الطويلة قد تكون مرهقة نفسياً لبعض الأشخاص، خاصة أنها تؤثر بشكل مباشر على إيقاع الجسم الطبيعي المرتبط بتعاقب الضوء والظلام. كما يؤكد علماء الأعصاب أن الدراسات العلمية حول فوائد ومخاطر هذه التجارب لا تزال محدودة، ما يستدعي مزيداً من البحث لفهم آثارها الحقيقية.

وفي النهاية، يرى الخبراء أن الرسالة الأهم ليست قضاء أيام في الظلام، بل إعادة التوازن إلى حياتنا اليومية من خلال النوم الجيد، والتعرض الكافي لضوء النهار، وممارسة الرياضة، والابتعاد أحياناً عن الضوضاء الرقمية التي أصبحت جزءاً دائماً من حياتنا الحديثة.