خلف الأرقام والإحصائيات الرسمية، هناك واقع مؤلم يعيشه الجيل الجديد في أستراليا؛ شباب وأطفال يواجهون ضغوطاً تفوق طاقتهم، لدرجة تدفع الكثير منهم إلى حافة الانهيار قبل أن يفكروا في طلب المساعدة. تقرير مؤسسة “Kids Helpline” الأخير دق ناقوس الخطر، معلناً عن قفزة مقلقة في عدد التدخلات الطارئة لإنقاذ حياة شباب كانوا في خطر حقيقي، في مؤشر يعيد إلى الأذهان ذروة أيام الجائحة.
المشكلة لم تعد مجرد تقلبات مزاجية عادية للمراهقين، بل أزمة حقيقية مدفوعة بظروف معيشية طاحنة يراها الأبناء في عيون آبائهم، بدءاً من تكاليف المعيشة وجنون الإيجارات، وصولاً إلى صراعات الدراسة والعمل اللذين ينهكان كاهل طلاب الجامعات. أضف إلى ذلك بيئة رقمية معقدة ومرعبة أحياناً، حيث تضاعفت قضايا الابتزاز الجنسي عبر الإنترنت بشكل كبير، وكان الشبان والفتيان هم الضحايا الأكثر استهدافاً فيها.
وتكشف لغة الأرقام عن صرخة حقيقية في العتمة، حيث تلقت الخدمة أكثر من 128 ألف محاولة اتصال خلال عام واحد، بمعدل صاعق يصل إلى 353 حالة يومياً. ومن بين هذه النداءات، هناك 14 حالة حرجة يومياً تتطلب تدخلاً فورياً من الإسعاف أو حماية الطفل لإنقاذ حياة شاب في خطر داهم. الصادم في الأمر أن 71% من هذه النداءات تأتي في أوقات متأخرة من الليل أو في عطلات نهاية الأسبوع، وهي الأوقات التي تغلق فيها كل الأبواب ويغيب السند، وتصبح الأفكار الانتحارية أثقل من أن تُحتمل بمفردها.
ولأول مرة في تاريخ المؤسسة، تفوقت المحادثات النصية عبر الإنترنت على المكالمات الهاتفية التقليدية، حيث بات الشباب يفضلون الكتابة على الكلام، ربما بحثاً عن خصوصية مفقودة داخل بيوتهم المستيقظة، أو هرباً من حرج التعبير عن مشاعرهم بصوت مسموع في وقت متأخر من الليل.
كما كشف التقرير عن فجوة جغرافية واجتماعية مؤلمة؛ فالشباب في المناطق النائية والريفية يعانون من أفكار انتحارية بنسب أعلى بكثير من سكان المدن الكبرى بسبب عزلتهم وغياب الخدمات البديلة. وأظهرت البيانات أيضاً هشاشة شديدة لدى فئات بعينها، مثل شباب السكان الأصليين والشباب العابرين جنسياً، حيث سجلت هذه الفئات مستويات قلق واكتئاب قياسية وتأثراً مضاعفاً بمخاطر الانتحار.
لكن الأزمة الأعمق تكمن في مكان آخر، حيث يعاني الخط الساخن من أزمة تمويل خانقة تمنعه من توظيف أعداد كافية من المستشارين، مما يترتب عليه أن واحداً من كل خمسة اتصالات لا يجد رداً. هذا الواقع المرير يعكسه قلق الإدارة الوطنية للخدمة التي تتساءل بمرارة عن مصير أولئك الذين يعيشون أزمة حادة ولم يتمكنوا من الوصول إلى المساعدة، خاصة مع غياب الدعم المالي من حكومات ولايات رئيسية مثل فيكتوريا، رغم أن ربع الاتصالات تأتي منها. ورغم الوعود والخطط الحكومية الفيدرالية لضخ الملايين في قطاع الصحة النفسية بالمدارس والمراكز، إلا أن الواقع على الأرض يتحرك ببطء لا يواكب سرعة الانهيار.
ويرى الخبراء في علم النفس والسياسات الشبابية أن ما نراه اليوم هو الأثر الرجعي وارتدادات العزلة التي فرضتها سنوات كورونا، والتي حرمت الأطفال من أبسط قواعد التنشئة الاجتماعية والإنسانية، ليدخلوا بعدها مباشرة في دوامة من التضخم الاقتصادي والتوترات العالمية. والنتيجة هي جيل يشعر بالاستسلام، ويعتقد أنه لا توجد مساعدة حقيقية وفعالة بانتظاره. وفي النهاية، فإن الحل لا يبدأ فقط من ميزانيات الحكومات، بل من محيطنا القريب، بسؤال بسيط وصادق لمن حولنا من أبناء وإخوة: “هل أنت بخير حقاً؟”، فالإنصات الواعي قبل فوات الأوان قد يكون طوق النجاة الوحيد.
