1. الفيلم السعودي: رؤية نقدية للتحولات الاجتماعية
يتناول هذا الفيلم السعودي الثاني لمخرجه (بعد «حد الطار»، 2020) حكاية ذات خط مستقيم عن الجد (إبراهيم الحساوي) الذي يُلزم عائلته بالكامل بالانتقال إلى منطقة معزولة في الصحراء للعيش فيها بصورة دائمة. يكمن دافع قراره في اعتقاده بأنّ «الديرة» (المدينة) فاسدة، وأن هذا الفساد هو نذير اقتراب الساعة. في المقابل، يرى في الصحراء برمالها وشمسها ولياليها التي لا تنتهي رمزاً لـالبراءة والتجرّد.
لكنّ مسار الأحداث لا يسير كما توقّع الجد تماماً؛ إذ يتضح أن الفساد، في رؤية الفيلم، ليس حكراً على مكان بعينه، بل مرتبط بـشخصيات معينة أينما اختارت العيش.
من ميزات الفيلم البارزة وقوع أحداثه في عام 1990، وهو ما يهدف إلى تأكيد ودعم التطور المدروس للحياة الاجتماعية في المملكة العربية السعودية ضمن عهدها الجديد.
في ذروة الصراع، تُصاب الحفيدة بمرض الحصباء الخطير، لكنّ لا شيء يُغيّر قناعات الجد أو والد الفتاة، الذي يرفض نقل ابنته للعلاج في الديرة استجابة لنداء الأم. يتجسّد الأمل بمستقبل أفضل في شخصية الصبي عسّاف (حمد فرحان)، شريطة أن تُمنح له حرية الاختيار وتحقيق أحلامه.
السيناريو (لمفرج المجفل) يتميّز بإلمام شديد بـالزمان والمكان واللكنة المحلية، مقدّماً نظرة واقعية وعميقة للبيئة والحوار، ومتّحدة طبيعياً مع الموضوع بدلاً من تقديم نظرة خارجية سطحية. هذا الشمول يمتد ليشمل فهم كامل للرسائل والأبعاد المتعلقة بدواخل الشخصيات وتحديد المرجعيات الدينية وعلاقة بعض شخصيات العمل بها.
وقد صمم المخرج الشلاحي المشاهد بدقة وعناية، مع ديكوباج تفصيلي ولقطات مُختارة بعناية. الكاميرا (بإدارة محمود يوسف) مُواكِبة للسرد ومتنوعة بين الحركة والثبات، لكنها دوماً متصلة بسياق الرواية.
النقطة الأقل إقناعاً كانت الموسيقى (لسعاد بشتاق)، لا لعدم ملاءمتها، ولكن بسبب إفراط المخرج في استخدامها في كل مشهد خالٍ من الحوار، وكذلك في العديد من المشاهد الحوارية، مما أدى إلى قدر ملحوظ من تكرار اللحن.
2. “فلسطين 36”: ملحمة تاريخية تُحاكي الحاضر
فلسطين | دراما تاريخية | إخراج: آن ماري جاسر | ★★★
«فلسطين 36» هو فيلم عن التاريخ الذي رافق المأساة الإنسانية منذ عام 1936. على الرغم من أن الفيلم لا يتجاوز هذا التاريخ قصصياً، إلا أنه غني بالأبعاد التي تعرض أحداث تلك الحقبة، وكيف أسهم الاحتلال البريطاني في تعميق الهوة بين العرب واليهود آنذاك، رابطاً بذلك تلقائياً بين الماضي والحاضر.
لذا، يُعدّ الفيلم مُناسباً للفترة الحالية من النزاع، حتى وإن لم يصوّرها مباشرة. تكمن أهمية الفيلم في اختلاف زاوية النظر إليه بين المُشاهد العربي والغربي، ما يلفت الانتباه لاختيارات الفيلم في السرد والاهتمامات.
بالنسبة للمُشاهد الأجنبي، يُمثّل الفيلم اكتشافاً جديداً لتاريخ إما مجهول كلياً أو ملم به جزئياً، وهو بمثابة استعراض للماضي وتبعاته الممتدة حتى اليوم، وقد يخرج منه بقناعات جديدة. أما المُشاهد العربي، فهو أكثر دراية بالتاريخ ونتائجه، وسيشاهد الفيلم لاستعادة التاريخ والتأكد من إضافته إلى معرفته المتوارثة.
كلتا الوجهتين ضرورية، والفيلم يأتي مُلائماً للأحداث الجارية، كما لم يحدث إلا لقلة من الأفلام الفلسطينية.
مع ذلك، ينفتح “فلسطين 36” على زاوية نقد أخرى عبر مقارنته بأعمال المخرجة آن ماري جاسر السابقة. هناك فارق كبير بين إنجازاتها السابقة، مثل «كأننا عشرون مستحيلاً» (2003)، و«ملح هذا البحر» (2008)، و«واجب» (2017)، التي كانت أفلاماً ذاتية بأسلوب سينما-المؤلّف، وبين هذا الفيلم الذي يبدو مصنوعاً على سكة الأفلام التاريخية المعتادة، بأسلوب استعراضي شامل ذي حجم ملحمي.
لقد نجحت المخرجة كـفنانة في الكيفية السردية والتقنية التي عالجت بها الموضوع، خاصة في التقسيم الأفقي للشخصيات بين مظلومين ومعتدين ومتواطئين (فلسطينيون يدركون خطورة الاحتلال، وآخرون يتجاهلون، وضابط بريطاني داعم للقضية ضد آخرين يسعون لتنفيذ “الأجندة”).
باعتباره استعراضاً درامياً للتاريخ، أصابت المخرجة هدفها، لكن هذا التركيز كان على حساب الغوص في الذاتية، مُنحازاً لـالدراما والمضمون السياسي أولاً.
