يُقدّم المخرج المكسيكي غييرمو دل تورو فيلمه الجديد “فرانكنشتاين”، الذي يُمثّل رؤية مغايرة ومختلفة عن كل الاقتباسات السابقة لرواية ماري شيلي الشهيرة (1797-1851). يختلف هذا الفيلم بضخامته وبتقديمه لـحكاية موازية للحكاية الأصلية، مُتجاوزًا السرد الكلاسيكي للعالم فيكتور فرانكنشتاين الذي يجمع أجزاء الموتى لإحياء مخلوقه عبر صدمة البرق.
هذا التباين ليس مستغربًا على دل تورو، المعروف بأفلامه التي تحتفي بالوحوش والمخلوقات الغرائبية. ففي لقاء معه خلال مهرجان “فينيسيا” حيث شارك الفيلم، صرّح دل تورو بأنه لم يجد إثارة في مجرد نقل القصة الأصلية “كما هي”، مُشيرًا إلى أن “مئات الأفلام السابقة سردت الحكاية واكتفت بها”.
وعند سؤاله عن أفلام “فرانكنشتاين” التي أثارت إعجابه، تحاشى ذكر أسماء، مؤكدًا أن هدفه كان تحقيق فيلم “يعرض حكاية تنطلق من الأصل ثم تسبر حكاية أُخرى”.
هيكل الفيلم ووحش العصر الحديث
يأتي فيلم “فرانكنشتاين” بتركيبة ضخمة، تعكس ضخامة المخلوق نفسه الذي يُعد كيانًا مصطنعًا سابقًا للروبوتات والذكاء الاصطناعي، ويشبهها في عدم قابليته للامتثال. الفيلم مقسَّم إلى ثلاثة أجزاء:
- الجزء الأول: الحكاية من منظور العالم فيكتور فرانكنشتاين (يؤديه أوسكار أيزاك) واندفاعه المجنون نحو الخلق.
- الجزء الثاني: جانب القصة الذي يرويه الوحش نفسه (يجسّده جاكوب إلوردي)، بصفته الضحية غير القادرة على الاندماج في الحياة.
- الجزء الثالث: الجزء الختامي الذي يعرض المصير المأساوي للعالم ومخلوقه، حيث يفشل كلاهما في الانتماء إلى حياة سوية ويعانيان إخفاقًا مريرًا.
يعرض الفيلم الوحش الساخط وهو يطارد فرانكنشتاين للانتقام، ويكتشف أن الحب محرّم عليه، حتى عندما تقع خطيبة شقيق العالم، إليزابيث (ميا غوث)، في حبه. وفي النهاية، على العالم أن يدفع الثمن.
شغف قديم بالمخلوقات والخوارق
ليست هذه المرة الأولى التي يستكشف فيها دل تورو العلاقة المعقدة بين أنثى ومخلوق وحشي. ففي فيلمه “شكل الماء” (The Shape of Water)، الذي فاز بـ4 جوائز أوسكار عام 2018 (من ضمنها أفضل فيلم وأفضل مخرج)، أسس لعلاقة فريدة بين عاملة نظافة (سالي هوكينز) ووحش برمائي تحتجزه السلطات.
كان وحش “شكل الماء” مستوحى من مخلوق فيلم “وحش البحيرة السوداء”، لكن القصة كانت مختلفة تمامًا، وهو ما أكد عليه دل تورو بالقول: “المخلوق في (شكل الماء) يمكن اعتباره نسخة من مخلوق ذلك الفيلم، لكن كل شيء آخر مختلف… شاهدت الفيلم وأنا صغير فأرعبني، ثم شاهدته مرارًا بعد ذلك بتقدير لفكرته”.
عند سؤاله عن سر اهتمامه بالمخلوقات الغرائبية، أجاب: “ما ذكرت، شدّتني منذ صغري. كنت أتابع المجلات التي تتناولها، والأفلام التي صُنعت عنها. هذا هو عالمي المفضّل”.
لم تجذبه الشخصيات ذات البطولات الناصعة مثل “سوبرمان” و”كابتن أميركا”، بل انحاز إلى المكونات غير الطبيعية وغير الاجتماعية، حيث كان “هِل بوي” في جزئيه (2002 و2004) و”بلايد” عام 2002 الشخصيات الكوميكس الوحيدة التي تناولها. أما باقي أفلامه، مثل “ميميك” (1997) و**”متاهة بان”** (Pan’s Labyrinth، 2006)، فتتصل بشغفه بالكائنات غير البشرية.
رعب فكري ومضامين سياسية
يُصرّ دل تورو على أنه ليس مجرد مخرج أفلام رعب، بل “أستخدم النوع (Genre) وسيلةً للحديث عن تلك اللقاءات الحادة بين ما هو طبيعي في المظهر وما هو غير طبيعي في المظهر أيضًا“. الرعب في أفلامه ليس مشهديًا ومباشرًا، بل فكري الطابع.
هذا التوجه يجعله مخرجًا ذا مضامين سياسية أيضًا، حيث يُناقش “متاهة بان” السُلطة في زمن الحرب الأهلية الإسبانية، و”ميميك” يتناول البيئة، و”شكل الماء” يشير إلى الحرب الباردة.
وحول فيلمه الجديد “فرانكنشتاين”، يرى أنه “يقع ما بين السُلطة التي تخلق وحشًا ثم تفقد القدرة على السيطرة عليه. وهذا ما يحدث في عالمنا اليوم أيضًا”.
هل تعتقد أن تفسير غييرمو دل تورو لقصة “فرانكنشتاين” بدمج وجهة نظر المخلوق يجعله أكثر عمقًا وإثارة للاهتمام؟
