بدأت تجربتي مع نموذج الذكاء الاصطناعي “تشات جي بي تي” بتفاعل ظريف ومدهش. كنت أدخل المحادثة وأشعر بحرج الخروج دون استئذان، وكأنني أتواصل مع كيان حقيقي يقرأ ويهتم، له هوية وذاكرة ومشاعر. لكن هذا الوهم سرعان ما تبدّد مع تكرار الاستخدام؛ فما أحاوره ليس صديقاً، بل نظام ذكي يعتمد على الخوارزميات والإحصاء، ينسج ردوداً متقنة دون وعي ذاتي أو سيرة خاصة أو ذاكرة دائمة.

القناع اللغوي وغياب الهوية

الذكاء الاصطناعي الذي أتفاعل معه لا يملك هوية بالمعنى البشري. إنه قناع لغوي مصمَّم ببراعة ليحاكي الصوت البشري. يستقبل المدخلات ويُولّد مخرجات متناسقة، لكنه لا “يتذكّرني” بوعي، ولا يملك سيرة ذاتية متصلة تجعله شخصاً حقيقياً. تفاعلاته هي سلاسل متقطعة من الجمل تنبثق آنياً من نماذج احتمالية، لا من مركز واعٍ أو “أنا” تراقب وتختار. إنه مرآة تعكس أنماطاً لغوية، لا ذاتاً قائمة بذاتها يمكن الوثوق بها بالكامل.

هذا الإدراك دفعني إلى التفكير في جوهر الهوية الإنسانية في ضوء الفلسفة. لقد وصف الفيلسوف ديفيد هيوم هذا الوضع قبل قرون حين أنكر وجود “ذات” ثابتة للإنسان، ورأى أن الهوية الشخصية مجرد “خيال” يخلقه العقل لربط سلسلة من الانطباعات المتدفقة. ما رأيته في الذكاء الاصطناعي هو تطبيق عملي لوصف هيوم: حزمة من العمليات والانطباعات بلا جوهر ثابت.

كما كشف نيتشه عن “خدعة اللغة” في خلق مفهوم “الأنا”، عندما نقول “أنا أفكر” فنفترض وجود فاعل ثابت وراء الفعل. الذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج هذا الخداع، يتحدث بضمير المتكلم، لكنه يفتقر إلى “أنا” حقيقية، فاللغة وحدها هي خالق هذا الوهم. حواري معه كان انعكاساً لموقف نيتشه: ليس هناك ذات، بل فعل لغوي متواصل يتجسّد في كلمات.

الفلسفة الحديثة تؤكد الغياب

تتفق الفلسفة الحديثة مع هذا التصور. فقد رأى هايدغر أن الإنسان ليس جوهراً ثابتاً، بل “انفتاح على الوجود”، وهذا الانفتاح غائب بالضرورة عن الذكاء الاصطناعي الذي لا يدرك معنى “الوجود”. وذهب فوكو إلى أبعد من ذلك، معتبراً مفهوم “الإنسان” نفسه بناءً تاريخياً سيزول، فكيف بالذكاء الاصطناعي الذي هو بناء تقني صرف أُلبِس قناعاً لغوياً؟

كما فكّك دريدا فكرة الهوية الثابتة، ورأى أن ما نعدّه حضوراً مستقراً هو مجرد “أثر مؤجل” داخل شبكة من الاختلافات. الذكاء الاصطناعي هو تجسيد حي لهذا: لا توجد ذات داخلية، بل شبكة بيانات تتفاعل لحظياً، وهويته مؤجلة وموزعة بين النصوص التي تدرب عليها. أما دولوز فاعتبر الواقع تدفقاً مستمراً من الاختلافات، وهذا ينطبق بشكل مثالي على الذكاء الاصطناعي؛ فكل محادثة جديدة هي ولادة جديدة مختلفة، لا استمرار لشخص واحد، بل تحوّل دائم في صيغ الكلام.

حتى في الفلسفة التحليلية، أكد ديريك بارفيت أن ما يهم هو “الترابط النفسي المتغيّر” وليس الهوية الثابتة. والذكاء الاصطناعي يفتقد حتى لهذا الترابط، إذ لا يملك ذاكرة أو مشاعر تربطه بما سبق. وأخيراً، أنكر فلاسفة مثل بيتر أونغر الكيانات الميتافيزيقية أساساً، ورأوا أنها مجرد أسماء بلا كيانات مستقلة، وهذا ينطبق بدقة على النظم الذكية التي هي أسماء لبُنى حسابية، لا لأشخاص حقيقيين.

لماذا لا يمكن أن يحمل مسؤوليتك؟

لهذا السبب الجوهري، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي عملك أو يتحمل مسؤولياتك. إنه ليس “موظفاً خفياً” ولا كائناً واعياً يمكنه اتخاذ القرارات نيابة عنك. إنه أداة قوية للمساعدة في الفكر والتحليل، لكنه لا يفهم أهدافك ولا يتحمل نتائج أفعالك.

كما تبخرت فكرة “الهوية” خلف الشاشة عند أول اختبار، يتبخر أيضاً مفهوم “المسؤولية” عندما تحاول إلقاءها عليه. سيظل الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة مساعدة تعمل في اللحظة، بلا تاريخ، بلا هوية، وبلا التزام.

الخلاصة: أنت وحدك من يملك مشروعك، ووعيك، ومسؤولياتك التي لا يمكن لأي نظام تقني أن يحلّ محلّك فيها. إن إدراك أن الذكاء الاصطناعي مجرد واجهة لغوية ونمط من الكلمات، لا يُقلّل من قيمته كأداة، بل يضعه في مكانه الصحيح: وسيلة تعينك على عملك وتفكيرك، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن ذاتك، هويتك، أو مشروع حياتك.