لم تعد المخاوف في أستراليا بشأن وصول فيروس إنفلونزا الطيور القاتل () تأتي من الشمال فحسب؛ بل بات الخطر يلوح في الأفق من مياه الجنوب الباردة. فبعد العثور على طائر “الكركر البني” مصاباً بالفيروس في منتصف يونيو، تأكدت مؤخراً إصابة طائر ثانٍ من نوع “البتريل العملاق” جرفته الأمواج قرب شواطئ “إسبيرانس” غرب أستراليا. هاتان الحالتان استنفرتا السلطات البيطرية، مما دفعها لتكثيف الرقابة على السواحل الجنوبية وتشكيل فريق خبراء لتتبع مسارات هذه الطيور البحرية ومعرفة أماكن اختلاطها بالحيوانات الأخرى وتحديد مدى انتشار المرض.
لسنوات طويلة، كان الاعتقاد السائد أن الطيور المهاجرة والبط القادم من الشمال بين سبتمبر ومارس هي الناقل الأساسي للمرض، نظراً لدورها التاريخي في نشر الفيروس عبر أوروبا وآسيا والأمريكتين. لكن رصد الفيروس في جزر “كيرغولين” و”هيرد” جنوباً خلال العامين الماضيين أثبت أن الجنوب أصبح خطاً حيوياً وغير متوقع للعدوى. تتميز طيور “الكركر” و”البتريل” برحلاتها الطويلة، حيث تقضي جزءاً من العام في جزر شبه قطبية تبعد نحو 4,500 كيلومتر، ثم تقضي الشتاء في المياه الأسترالية الممتدة من الغرب وحتى كوينزلاند.
ويفسر العلماء هذا الانتشار بطبيعة التغذية والسلوك العدائي لدى هذه الأنواع؛ فهي طيور جارحة وقمامة، تتغذى على الجيف والحيوانات النافقة، أو تطارد الطيور الأخرى لتسرق طعامها، مما يجعلها عرضة لالتقاط الفيروس عبر اللعاب، المخاط، أو اللحوم الملوثة. ورغم أنها تفضل البقاء في عرض البحر ونادراً ما تقترب من اليابسة، إلا أن إصابتها بالمرض والإنهاك هي ما يدفع بها في النهاية نحو الشواطئ الأسترالية لتكشف المستور.
لا يزال الغموض يحيط بفترة حضانة الفيروس ومدى قدرة هذه الطيور على البقاء حية بعد الإصابة، وتستمر الفحوصات الجينية حالياً لتحديد المسار الدقيق الذي سلكه الفيروس إلى البلاد. ويأمل الخبراء أن نكون أمام مجرد حالات فردية معزولة لا تؤدي لانتشار واسع. ومع ذلك، فإن الطبيعة الغامضة لهجرات هذه الطيور – التي لا تحظى باهتمام بحثي كافٍ مقارنة بالبطاريق مثلاً – تفرض على السلطات خطة طوارئ جادة، لحماية الأنواع المحلية الضعيفة من كارثة بيئية محتملة قد تطال السواحل الأسترالية بأكملها.
