لم تعد دول الشرق الأوسط تعتمد فقط على النفط والغاز باعتبارهما المحرك الرئيسي للاقتصاد، بل بدأت المنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. فمن الرياض وأبوظبي ودبي وصولاً إلى القاهرة والعلمين الجديدة، تتدفق استثمارات بمئات المليارات لبناء بنية تحتية ذكية تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية الحديثة، في محاولة لتحويل المنطقة إلى مركز عالمي للتقنيات المستقبلية.

وبات السؤال اليوم ليس ما إذا كانت المنطقة مستعدة للتحول الرقمي، بل من سيشارك في صناعة هذا المستقبل الجديد.

التحول الرقمي يقود ثورة الرعاية الصحية

يشهد قطاع الرعاية الصحية في الخليج ومصر طفرة رقمية متسارعة تعد من الأسرع عالمياً، مدفوعة بخطط حكومية طويلة الأمد واستثمارات ضخمة تهدف إلى تطوير خدمات طبية أكثر كفاءة واعتماداً على التكنولوجيا.

في السعودية، خصصت الحكومة أكثر من 214 مليار ريال لقطاع الصحة والتنمية الاجتماعية ضمن ميزانية 2024، في إطار رؤية 2030 التي تسعى إلى إنشاء منظومة صحية رقمية متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والسجلات الطبية الإلكترونية الموحدة.

أما الإمارات، فكانت من أوائل دول المنطقة التي استثمرت بقوة في تقنيات الطب الذكي والخدمات الصحية الرقمية، مع توسع كبير في المدن الطبية الذكية وأنظمة التشخيص المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وأصبحت أبوظبي ودبي مركزين رئيسيين لشركات التكنولوجيا الصحية العالمية، خاصة مع إطلاق منصات صحية موحدة مثل “ريايتي”، إلى جانب التطور اللافت في الجراحات الروبوتية والخدمات الوقائية الرقمية.

وفي مصر، يتسارع التحول الرقمي في القطاع الطبي عبر منظومة التأمين الصحي الشامل وتحديث المستشفيات الحكومية وربطها إلكترونياً، بالإضافة إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التشخيص وإدارة البيانات الطبية. كما تسعى القاهرة إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي لخدمات التكنولوجيا الصحية والتعهيد الطبي، مستفيدة من الكفاءات البشرية والبنية التكنولوجية المتنامية.

وتشير التقديرات إلى أن سوق تكنولوجيا المعلومات الصحية في الشرق الأوسط تجاوز 53 مليار دولار خلال 2024، مع توقعات بوصوله إلى أكثر من 251 مليار دولار بحلول 2034، في ظل النمو السريع للذكاء الاصطناعي داخل القطاع الطبي.

شركات ناشئة تقود الابتكار الصحي

ضمن هذا المشهد المتطور، برزت شركات ناشئة جديدة مثل “ميتافير” السعودية المتخصصة في التكنولوجيا الصحية، والتي نجحت مؤخراً في إغلاق أول جولة استثمارية بقيمة مليون دولار.

وتعتمد الشركة على تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والذكاء الاصطناعي لتقديم تجارب صحية تفاعلية تشمل العلاج الطبيعي الافتراضي وإدارة الألم والعلاج السلوكي، في مؤشر واضح على تغير شكل الخدمات الصحية التقليدية في المنطقة.

الموانئ الذكية.. بوابة الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي

وفي الوقت الذي أصبحت فيه البيانات تمثل “نفط المستقبل”، تتحول الموانئ الذكية إلى شرايين رئيسية للاقتصاد العالمي الجديد.

فالمنطقة تقع على أهم الممرات البحرية في العالم، مثل قناة السويس والبحر الأحمر ومضيق هرمز والخليج العربي، ما دفع دولاً مثل السعودية والإمارات ومصر إلى الاستثمار بقوة في تحديث الموانئ والخدمات اللوجستية الذكية.

ميناء جبل علي في الإمارات واصل تعزيز مكانته كأحد أكبر الموانئ الذكية عالمياً بعد تسجيل أرقام قياسية في حركة الحاويات، بينما توسعت شركة موانئ دبي العالمية في مشاريع الأتمتة وسلاسل الإمداد الرقمية وتقنيات النقل الذاتي منخفض الانبعاثات.

وفي السعودية، يشهد قطاع النقل البحري تحولاً كبيراً ضمن الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، مع تنفيذ مشاريع ضخمة لتطوير ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالعزيز بالدمام بهدف جعل المملكة ضمن أكبر المراكز اللوجستية عالمياً.

أما مصر، فتواصل تعزيز دورها كمركز ملاحي عالمي عبر تطوير موانئ الإسكندرية والعين السخنة وشرق بورسعيد، وربطها بشبكات النقل والسكك الحديدية والمناطق الصناعية، إلى جانب توسيع دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جذب الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية.

المنطقة تعيد بناء اقتصادها بالكامل

ما يحدث حالياً في الشرق الأوسط لا يقتصر على تحديث بعض القطاعات، بل يمثل إعادة صياغة كاملة للنموذج الاقتصادي في المنطقة.

فالسعودية تضخ مليارات الدولارات في مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، بينما تعمل الإمارات بالشراكة مع شركات تكنولوجية عالمية على تطوير واحد من أكبر مجمعات الذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة.

وفي المقابل، تتحرك مصر بسرعة نحو تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للبنية الرقمية وخدمات الاتصالات والتعهيد، مستفيدة من موقعها الجغرافي والمدن الذكية الجديدة وتوسع مراكز البيانات.

وخلال النصف الأول من عام 2025 فقط، نجحت الشركات الناشئة في المنطقة في جذب أكثر من 2.1 مليار دولار عبر مئات الصفقات الاستثمارية، في إشارة واضحة إلى أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد سوق مستهلك للتكنولوجيا، بل أصبح لاعباً رئيسياً في إنتاج الابتكار وتصديره إلى العالم.

واليوم، تبدو الفرصة أكبر من أي وقت مضى أمام الشركات ورواد الأعمال والمستثمرين للمشاركة في رسم ملامح الاقتصاد الرقمي الجديد الذي يتشكل بسرعة في المنطقة.