بينما يواصل العلماء دراسة أمراض الماضي لفهم تأثيرها على المجتمعات القديمة، يسلط باحثون في أستراليا الضوء على مرض الزهري الذي عاد ليثير القلق بعد ارتفاع معدلات الإصابة به خلال السنوات الأخيرة.

يقود البروفيسور الفخري ماشي هينيبيرغ، المتخصص في علم الآثار الحيوية، مشروعاً بحثياً يهدف إلى تتبع آثار مرض الزهري في الهياكل العظمية القديمة. ومن خلال فحص بقايا بشرية عُثر عليها في مواقع مختلفة حول العالم، يحاول الباحثون فهم الكيفية التي أثّر بها المرض على السكان قبل اكتشاف المضادات الحيوية الحديثة.

ويشرح هينيبيرغ أن المراحل المتقدمة من الزهري تترك آثاراً واضحة على العظام، إذ تؤدي إلى نمو غير طبيعي في بعض أجزاء الهيكل العظمي، خاصة عظام الساقين، إلى جانب تآكل أجزاء أخرى من العظام. وفي متحف فيرنون روبرتس بجنوب أستراليا، يحتفظ الباحثون بعينة لجمجمة تعود لشخص عاش في أواخر القرن التاسع عشر، وتظهر عليها علامات واضحة للإصابة المتقدمة بالمرض، بما في ذلك ثقوب وتلف في عظام الجمجمة نتيجة تقرحات مزمنة مرتبطة بالزهري.

وتتعاون جامعة أديلايد مع فريق البحث لدراسة تأثير المرض على المستوطنات الاستعمارية في أستراليا قبل أن يصبح البنسلين علاجاً فعالاً له في أربعينيات القرن الماضي. إلا أن ما يثير القلق حالياً هو أن المرض لم يعد مجرد صفحة من التاريخ، بل عاد ليسجل انتشاراً ملحوظاً في عدد من المناطق الأسترالية.

وتشير البيانات الصحية إلى أن عدد الإصابات المبلغ عنها سنوياً في أستراليا ارتفع بشكل كبير خلال العقد الأخير، حيث تضاعفت الحالات تقريباً مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات. كما تم تسجيل عشرات حالات الزهري الخلقي، وهو النوع الذي ينتقل من الأم إلى الطفل أثناء الحمل أو الولادة، ما أدى إلى وفيات ومضاعفات صحية خطيرة كان يمكن تجنبها بالعلاج المبكر.

ويحذر الخبراء من أن الزهري غالباً ما يمر دون أعراض واضحة في مراحله الأولى، الأمر الذي يجعل اكتشافه أكثر صعوبة. وتشمل الأعراض المحتملة ظهور قرحة غير مؤلمة، وطفح جلدي، وارتفاعاً في الحرارة، إضافة إلى الصداع. لكن نحو نصف المصابين قد لا تظهر عليهم أي علامات واضحة.

وفي حال عدم تلقي العلاج، يمكن أن يبقى المرض كامناً لسنوات طويلة قبل أن يبدأ بإلحاق أضرار خطيرة بأعضاء الجسم المختلفة، بما في ذلك الدماغ والقلب والجهاز العصبي، ما قد يؤدي إلى سكتات دماغية أو أزمات قلبية.

وفي إقليم الشمال الأسترالي، حيث تسجل معدلات الإصابة مستويات تفوق المعدل الوطني بعدة مرات، تعمل فرق صحية متخصصة على تدريب العاملين الصحيين، خصوصاً من أبناء المجتمعات الأصلية، لتعزيز الفحص المبكر والعلاج السريع. وتؤكد السلطات الصحية أن الوقاية والعلاج متاحان وفعّالان، وأن الكشف المبكر يظل السلاح الأهم لمنع انتشار المرض وحماية الأمهات والأطفال من عواقبه الخطيرة.

ويأمل الباحثون أن تساعد دراسة الماضي في تجنب أخطاء الحاضر، وأن تسهم الجهود الصحية الحالية في وقف عودة مرض اعتقد كثيرون أنه أصبح جزءاً من التاريخ.