رغم التقدم الكبير في علاج السرطان وارتفاع معدلات النجاة، لا تزال آلاف النساء يعشن مع آثار جانبية طويلة الأمد تؤثر بشكل مباشر على جودة حياتهن، في حين تبقى هذه المشكلات بعيدة عن دائرة النقاش بسبب الحرج الاجتماعي وقلة الوعي.
تجسد الأسترالية نيكولا دو ثالر هذه المعاناة بعد أن نجت مرتين من سرطان الفرج، وهو أحد السرطانات النسائية النادرة التي تصيب نحو 420 امرأة سنوياً في أستراليا. وبينما أنقذت العلاجات حياتها، تركت لديها مضاعفات دائمة أثرت على قدرتها على الحركة والجلوس والوقوف لفترات طويلة، إضافة إلى اضطرارها لاستخدام كيس فغر لمساعدتها على الإخراج بعد سلسلة من العمليات الجراحية المعقدة.
وتؤكد نيكولا أنها قررت الحديث علناً عن تجربتها لأنها ترفض أن يحدد السرطان شكل حياتها، وترى أن الصمت المحيط بهذه المضاعفات يزيد من معاناة النساء ويمنعهن من طلب الدعم المناسب.
وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة The Lancet Obstetrics, Gynaecology & Women’s Health، حذرت الباحثة أوليفيا بيلاس من جامعة أديلايد من أن عدد النساء اللواتي يعانين من مضاعفات نسائية بعد علاج السرطان قد يكون أكبر بكثير مما تظهره الإحصاءات الرسمية، لأن كثيرات لا يبلغن عن أعراضهن بسبب الشعور بالخجل أو الاعتقاد بأنها موضوعات لا ينبغي مناقشتها.
وتشمل هذه المضاعفات آلاماً مزمنة في المنطقة التناسلية، والتهابات متكررة، وصعوبات في التبول، إضافة إلى تأثيرات على الصحة الجنسية والقدرة الإنجابية. وترى الباحثة أن المشكلة لا تقتصر على تردد المريضات، بل تمتد أيضاً إلى أن بعض الأطباء لا يطرحون هذه الأسئلة خلال المتابعة العلاجية، معتبرين أنها خارج نطاق اختصاصهم.
ودعت الدراسة إلى تطوير أدوات فحص أكثر دقة، ووضع مسارات واضحة لإحالة المريضات إلى المتخصصين، إلى جانب توفير برامج تدريب للأطباء والعاملين في القطاع الصحي تساعدهم على مناقشة هذه القضايا الحساسة بثقة واحترافية.
وتكتسب هذه الدعوات أهمية متزايدة مع ارتفاع نسب النجاة من العديد من أنواع السرطان، وخاصة سرطان الثدي، حيث أصبح التركيز لا ينصب فقط على إنقاذ حياة المريض، وإنما أيضاً على تحسين حياته بعد انتهاء العلاج. فالكثير من الناجيات يواجهن آثاراً طويلة الأمد مثل الإرهاق المستمر، وضعف التركيز، والمشكلات الإدراكية، إضافة إلى المضاعفات النسائية التي قد تستمر لسنوات.
ورحب عدد من خبراء السرطان في أستراليا بنتائج الدراسة، معتبرين أنها تسلط الضوء على فجوة حقيقية في الرعاية الصحية. وأوضحت الباحثة في جامعة كوينزلاند الدكتورة إيفا باكستر أن العديد من النساء يعانين بصمت، لأنهن لا يعرفن كيفية التعامل مع الأعراض أو يشعرن بعدم الارتياح لطرحها خلال المراجعات الطبية ما لم يبدأ الطبيب الحديث عنها.
من جانبه، شدد اختصاصي أورام النساء البروفيسور بول كوهين على الحاجة إلى إنشاء عيادات متخصصة تقدم دعماً شاملاً للنساء بعد العلاج، إلى جانب تدريب الكوادر الطبية على إدارة هذه الحوارات الحساسة بطريقة طبيعية تقلل من الوصمة الاجتماعية.
كما دعا الخبراء إلى إشراك الناجيات من السرطان في تطوير نماذج الرعاية المستقبلية، مع مراعاة احتياجات النساء من مختلف الخلفيات الثقافية واللغوية، والنساء من السكان الأصليين، وذوات الإعاقة، وأفراد مجتمع الميم، إذ تواجه هذه الفئات تحديات إضافية في الوصول إلى الرعاية الصحية والتحدث بحرية عن مشكلاتهن، مما يجعل توفير رعاية صحية آمنة وشاملة أمراً ضرورياً لتحسين نتائج العلاج وجودة الحياة.
